حسن بن عبد الله السيرافي
264
شرح كتاب سيبويه
ومما يدل على أن ( إن ) أم حروف الجزاء ، أنها قد يسكت عليها ويحذف الشرط بعدها والجواب ، ولا يفعل ذلك بغيرها ، يقول القائل : لا آتى الأمير لأنه جائر ، فيقال : ائته وإن : وكذلك : لا أصلي خلف فلان لأنه أعمى ، فيقال : صل خلفه وإن ؛ يراد بذلك : وإن كان جائرا ، وإن كان أعمى فصل خلفه ، وأنشد بعض النحويين في ذلك : قالت سليمى ليت لي بعلا يمن * يغسل عن جلدي وينسينّي الحزن وحاجة ليس لها عندي ثمن * مستورة قضاؤها منه ومن قالت بنات العمّ يا سلمى وإن * كان عييّا معدما قالت وإن " 1 " والذي أحوج إلى إدخال ( الفاء ) في جواب الجزاء ، أن أصل الجواب أن يكون مستقبلا ، لأنه شئ مضمون فله إذا فعل الشرط ، أو وجد مجزوما ملتبسا بما قبله من الشرط ، ف ( إن ) هي التي تربط أحدهما بالآخر ، ثم عرض في الكلام أن يجازى بالابتداء والخبر لنيابتهما عن الجواب ، و ( إن ) لا تعمل فيهما ، ولا يقعان موقع فعل مجزوم ؛ فآتوا بحرف يقع بعده الابتداء والخبر ، وجعلوه مع ما بعده في موضع الجواب ، وذلك قولك : إن تزرني فعندي سعة ، وإن تأتني فالمنزل لك ؛ واختاروا ( الفاء ) دون ( الواو ) ودون ( ثم ) لأن حق الجواب أن يكون عقيب الشرط متصلا ؛ لأنه بالشرط يستوجب ، ومن أجل وقوعه يقع ، و ( الفاء ) توجب ذلك لأنها في العطف بعد الذي قبله ، متصل به ؛ وتركوا ( الواو ) لأنها لا تدل على الترتيب ؛ وعدلوا عن ( ثم ) لأن بينها وبين ما قبلها أكثر من مهلة ( الفاء ) . وقد حذفت العرب ( الفاء ) في الجواب في ضرورة الشاعر ، وسهل ذلك أن أصل الجواب لا يكون فيه ( فاء ) على ما ذكرناه ، وتقديره : من يفعل الحسنات فاللّه ، ويروى : فالرحمن ، والذي قبله : من يفعل الخير فالرحمن يشكرها ؛ وليس في هذه الرواية ضرورة ( ( وينكع العنز ظالما ) ) تقديره : فهو ظالم ؛ ويكثر في المجازاة حذف المبتدأ بعد ( الفاء ) لأنه يجري ذكره في الشرط كقولك : إن تأتني فمحبوب ؛ لأن المخاطب قد جرى ذكره في الشرط كقولك : إن تأتني فمحبوب ، وإن يزرني زيد فمكرم ، تقديره : فأنت محبوب ، لأن المخاطب قد جرى ذكره في ( تأتني ) ، وإن يزرني زيد فهو مكرم ، لأنه قد جرى ذكره . وأما قوله : إن تأتني لأفعلن ، ففيه وجهان :
--> ( 1 ) الأبيات منسوبة إلى رؤبة بن العجاج في ديوانه 186 ؛ والخزانة 3 / 360 .