حسن بن عبد الله السيرافي

265

شرح كتاب سيبويه

الأول : تقدير ( الفاء ) . إن تأتني فلأفعلن . والآخر : نية التقديم . كأنه قال : لأفعلن إن تأتني . وكلاهما غير حسن ، أما حذف ( الفاء ) فقد ذكرناه آنفا ، وأما التقديم فإنه لا يحسن مع جزم الشرط ب ( إن ) ، فإذا لم ينجزم بها حسن كقولك : إن أتيتني لأكرمنك ، وإن لم تأتني لأغمنك ؛ ومن أجل هذا ألزموا الشرط الفعل الماضي في اليمين ، كقولك : واللّه لئن أتيتني لأكرمنّك ، وو اللّه لئن جفوتني لا أزورك ، لأن جواب اليمين يغني عن جواب الشرط ، ويبطل جزمه ، ويصير بمنزلة ما ذكر قبله ، كأنه قال : واللّه لا أزورك ؛ وإنما صارت ( إن ) إذا جزمت اقتضت مجزوما بعدها ، لأنها بجزمها ما بعدها يظهر أنها تجزم ، وجزمها يتعلق بفعلين ، فإذا لم يظهر جزمها في الثاني صارت بمنزلة حرف جازم لا يؤتى بعده بمجزوم ؛ ومن أجل ذلك قال اللّه - تبارك وتعالى - : قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ " 1 " فقال : لنكونن ، لأن جزم ( تغفر ) بلم لا ب ( إن ) ؛ وقال : وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ " 2 " . لما كانت ( إن ) هي الجازمة ل ( تغفر ) . وأما قوله : هذا سراقة للقرآن يدرسه " 3 " فذكر الأصمعي أن هذا البيت قديم ، وأن أبا عمرو أنشده إياه ، و ( الهاء ) في ( يدرسه ) للمصدر تقديره : للقرآن يدرس درسا ، وكني عن الدرس . ولو قلنا : ضربته زيدا على هذا التأويل لجاز تقديره : ضربته الضرب زيدا وكني عنه ، لأن الضرب قد دل عليه ضربت ، ولا يحسن أن تكون ( الهاء ) ضمير القرآن ، لأن القرآن وإن كانت فيه ( اللام ) ، فقد جعل بمنزلة المفعول ، واللام في صلة ( يدرس ) ؛ ولو قلت : القرآن يدرسه لم يجز أن ينصب القرآن بيدرس ، و ( الهاء ) ضميره . وكذلك قول اللّه - عز وجل - : لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ " 4 " ، ولا يجوز ( يرهبونه ) و ( الهاء ) للرب - جل وعز - ، ومثل هذا قول زهير بن جناب :

--> ( 1 ) سورة الأعراف ، الآية : 23 . ( 2 ) سورة هود ، الآية : 47 . ( 3 ) صدر بيت سبق تخريجه . ( 4 ) سورة الأعراف ، الآية : 154 .