حسن بن عبد الله السيرافي
259
شرح كتاب سيبويه
فيخرجان عن حكم كل واحد منهما إلى حكم مفرد نحو : لولا ، وهلا ، وغيرهما . وجعلها سيبويه حرفا لوقوعها موقع ( أن ) ، ولم يقم دليلا على اسميتها ، وما علمنا أحدا من النحويين ذكر ( إذ ما ) غير سيبويه ، إلا أن يكون من بعض أصحابه ، ومن يأخذ عنه . وقد قال بعض النحويين : ( إذ ما ) هي ( إمّا ) ، عدلوا عن ( إما ) إليها ، لأن ( إما ) لا تكاد تأتي إلا بدخول ( النون ) على الفعل الذي بعدها نحو قول اللّه - عز وجل - : فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ " 1 " و وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً " 2 " و فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً " 3 " . وليس في القرآن - فيما اعلم - فعل بعد ( إما ) إلا ب ( النون ) ؛ فلما احتاج الشاعر إلى ( إما ) وكانت ( النون ) تكسر البيت ، جعل مكانها ( إذ ما ) وأما دخول ( ما ) على ( حيث ) للمجازاة ، فلأن ( حيث ) اسم للمكان ، فكان يلزمها الإيضاح قبل المجازاة بها كقولك : أقمت حيث زيد مقيم ، وحيث زيد مقيم أقيم ؛ ولو قلت : حيث أقيم أو أقمت لم يجز ، فلما أرادوا المجازاة لزمهم إبهامها وإسقاط ما يوضحها ، وألزموها ( ما ) كما ألزموا ( ما ) إنما ، وكأنما ، وربما ؛ وجعلوا لزوم ( ما ) دلالة على إبطال مذهبها الأول . ثم جعلوها بمنزلة ( أين ) في المجازاة ولم تزل عن معناها الأول وقصد المكان بها لزوال ( إذ ) عن معناها الأول . وأما قول لبيد : فأصبحت أنّى تأتها تلتبس بها " 4 " ففي معناه بعض اللبس ، والبيت في موضعين فيه اختلاف رواية : أحدهما : أنىّ تأتها تلتبس بها ، وتبتئس بها . والآخر : تحت رجلك ، وتحت رحلك . ومعناه : أنه يخاطب رجلا قد وقع في معضلة وقصة صعبة يعسر التخلص منها ، فنقول : كيف أتيت هذه المعضلة من قدّام أو من خلف تلتبس بها ولا مخلص ، وهو جواب الشرط ؛ والالتباس بها : الدخول فيها والاختلاط بها ، وتبتئس : يصيبك منها بؤس .
--> ( 1 ) سورة الأنفال ، الآية : 57 . ( 2 ) سورة الأنفال ، الآية : 58 . ( 3 ) سورة مريم ، الآية : 26 . ( 4 ) صدر بيت سبق تخريجه .