حسن بن عبد الله السيرافي

236

شرح كتاب سيبويه

فلو دخلت ( الفاء ) هاهنا لأفسدت المعنى ، وإنما أراد لا يجتمعن النهي والإتيان ، فصار ( تأتي ) على إضمار ( أن ) . ومما يدلك أيضا على أن ( الفاء ) ليست كالواو فذلك قولك : مررت بزيد وعمرو ، ومررت بزيد فعمرو ، تريد أن يعلم بالفاء أنه بعد الأول ، وليس ( الواو ) كذلك . وتقول : لا تأكل السمك وتشرب اللبن ، فلو أدخلت ( الفاء ) هاهنا فسد المعنى ، وإن شئت جزمت في النهي في غير هذا الموضع . قال جرير : فلا تشتم المولى وتبلغ أذانه * فإنّك إن تفعل تسفّه وتجهل " 1 " ومنعك أن تجزم الأول لأنه إنما أراد أن يقول له : لا تجمع بين اللبن والسمك ، ولا ينهاه أن يأكل السمك على حدة ، ويشرب اللبن على حدة ؛ فإذا جزم فكأنه نهاه أن يأكل السمك على كل حال أو يشرب اللبن على كل حال . ومثل النصب في هذا الباب قول الحطيئة : ألم أك جاركم ويكون بيني * وبينكم الموّدة والإخاء " 2 " كأنه قال : لم أك هكذا ويكون بيني وبينكم . وقال دريد بن الصّمة : قتلت بعبد اللّه خير لداته * ذؤابا فلم أفخر بذاك وأجزعا " 3 " وتقول : لا يسعني شيء ويعجز عنك ، فانتصاب الفعل هاهنا من الوجه الذي انتصب به في ( الفاء ) ، إلا أن ( الواو ) لا يكون موضعها في الكلام موضع ( الفاء ) . وتقول : ائتني وآتيك ، إذا أردت ليكن إتيان منك وأن آتيك ، تعني إتيان منك وإتيان مني ، وإن أردت الأمر أدخلت ( اللام ) ، كما فعلت ذلك في ( الفاء ) حيث قلت ائتني فلأحدثك . فتقول : ولآتك . ومن النصب في هذا الباب قول اللّه - تبارك وتعالى - : وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ " 4 " ، وقد قرأ بعضهم : ( ( ويعلم الصابرين ) ) . وقال اللّه - جل ثناؤه - : وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ

--> ( 1 ) البيت في ديوانه ، الكتاب 3 / 42 . ( 2 ) البيت في ديوانه 54 ؛ الكتاب 3 / 23 . ( 3 ) البيت في ديوانه 11 ، الكتاب 3 / 43 . ( 4 ) سورة آل عمران ، الآية : 142 .