حسن بن عبد الله السيرافي
162
شرح كتاب سيبويه
وأمّا قراءة أهل المدينة التي ذكرها فإنما حكي عن محمّد بن مروان - وهو بعض قراء أهل المدينة - أنّه قرأ : هؤلاء بناتي هنّ أطهر لكم بنصب أطهر لكم ، وقد روي عن عيسى بن عمر بأسانيد جياد مختلفة أنّه قرأ هؤلاء بناتي هنّ أطهر لكم بالنصب ، وذكر الأصمعي أنه قال : قلت لأبي عمرو بن العلاء إنّ عيسى بن عمر حدثنا أنّ ابن مروان قرأ ( هنّ أطهر ) بالنّصب ، فقال : ( احتبي ابن مروان في لحنه ) ، وقد روي عن سعيد بن جبير أنه قرأ ( هنّ أطهر لكم ) بالنصب ، ومعنى قول أبي عمرو : ( احتبي في لحنه ، كقولك : اشتمل بالخطأ ، وتجلّل بالخطأ ، وتمكّن في الخطأ ، ونحو ذلك ، مما يوجب تثبيت الخطأ عليه وإحاطته به . ومعنى قوله : ولا تقول : أظنّ رجلا خيرا منك حتى تنفي أي حتى تقول : ما أظنّ رجلا خيرا منك ، كما تقول : ما أظنّ أحدا خيرا منك ؛ لأنه إذا نفيت النكرة صارت بمعنى العموم ، وحلّت محلّ أحد ، وباقي الباب مفهوم . هذا باب أي قال سيبويه : " اعلم أنّ أيّا مضافا وغير مضاف بمنزلة من . ألا ترى أنّك تقول : أي أفضل ، وأي القوم أفضل . فصار المضاف وغير المضاف يجريان مجرى من ، كما أنّ زيدا وزيد مناة يجريان مجرى عمرو ، فحال المضاف في الإعراب والحسن والقبح كحال المفرد . قال اللّه عزّ وجلّ : أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى " 1 " ؛ فحسن كحسنه مضافا . وتقول : أيّها تشاء لك ؛ فتشاء صلة لأيّها حتى كمل اسما ؛ ثم بنيت عليه لك ، كأنّك قلت : الّذي تشاء لك ، وإن أضمرت الفاء جاز ، وجزمت تشأ ، ونصبت أيّها ، وإن أدخلت الفاء قلت : أيّها تشأ فلك ؛ لأنّك إذا جازيت لم يكن الفعل وصلا ، ولكن بمنزلته في الاستفهام إذا قلت : أيّها تشاء ؟ وكذلك من تجري مجرى أي في الّذي ذكرنا ، وتقع موقعه . وسألت الخليل عن قولهم : اضرب أيّهم أفضل ؟ فقال : القياس النّصب ، كما تقول : اضرب الذي أفضل ؛ لأن أي في غير الاستفهام والجزاء بمنزلة الذي ، كما أنّ من في غير الاستفهام والجزاء بمنزلة الذي . وحدّثنا هارون أن ناسا ، وهم الكوفيّون ، يقرأونها : لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ
--> ( 1 ) سورة الإسراء ، من الآية : 110 .