حسن بن عبد الله السيرافي

108

شرح كتاب سيبويه

وزعم أبو الخطاب أنّ بعض العرب الموثوق بهم يقولون : هذا أنا وأنا هذا . ومثل ما قال الخليل في هذا قول الشاعر وهو لبيد : ونحن اقتسمنا المال نصفين بيننا * فقلت لهم هذا لها ها وذا ليا " 1 " كأنه أراد أن يقول : وهذا لي ، فصيّر الواو بين ها وذا . وزعم أن مثل ذلك إي ها اللّه ذا ، إنما هو هذا . وقد تكون ها في ها أنت ذا غير مقدمة ، ولكنها تكون بمنزلتها في هذا ؛ يدلّك على ذلك قوله : ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ [ آل عمران : 66 ] ، فلو كانت ها هاهنا هي التي تكون مع أولاء إذا قلت : هؤلاء ، لم تعد هاهنا بعد أنتم . وحدثنا يونس أيضا تصديقا لقول أبي الخطاب ، أنّ العرب تقول : هذا أنت تقول كذا وكذا ، لم يرد بقوله : هذا أنت ، أن يعرّفه نفسه ، كأنك تريد أن تعلمه أنه ليس غيره . هذا محال ، ولكنه أراد أن ينبهه ، كأنه قال : الحاضر عندنا أنت ، أو الحاضر القائل كذا وكذا . وإن شئت لم تقدم ها في هذا الباب ، قال اللّه عز وجل : ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ " 2 " . قال أبو سعيد : قد بينا أن الضمير المنفصل هو الذي لا يلي عاملا ، ولا يتصل به ، إمّا أن يكون معرّى من عامل لفظي ، أو يكون مقدما على عامله ، أو مفصولا بينه وبينه بحرف استثناء ، أو حرف عطف ، أو بشيء يفصل بينه وبين عامله فصلا لازما . فأما ضمير المرفوع المنفصل فله خمسة مواضع : الابتداء ، وخبره ، وخبر إنّ وأخواتها بمنزلة خبره ، وبعد حرف الاستثناء ، وبعد حرف العطف . فالابتداء والخبر معرّيان من عامل لفظي ، وضميرهما منفصل كقولك : ( كيف أنت ؟ ) و ( أين هو ؟ ) ؛ كيف وأين خبران مقدمان ، وأنت وهو مبتدآن ، وكذلك نحن وأنتم ذاهبون ؛ نحن مبتدأ ، وأنتم عطف عليه ، و ( ذاهبون ) خبرهما ، وكذلك ( جاء عبد اللّه وأنت ) أنت عطف على عبد اللّه ، وانفصل لأنه وقع بعد حرف العطف ، ولم يلتزق بالعامل ، ولم يمكن ذلك فيه .

--> ( 1 ) البيت في ديوانه 360 ؛ والخزانة 461 ؛ ابن يعيش 8 / 114 ؛ الكتاب 2 / 354 ؛ المقتضب 2 / 322 . ( 2 ) سورة البقرة ، من الآية : 85 .