حسن بن عبد الله السيرافي

491

شرح كتاب سيبويه

فإن قال قائل : ذكر سيبويه أن الفصل بين ( كم ) وبين ما نصبته تلك يجوز في ( كم ) جوازا حسنا ؛ لأنه كأنه صار عوضا من التمكن ، فيلزم في خمس عشرة ونظائره من ( أحد عشر ) إلى ( تسعة عشر ) أن يجوز الفصل جوازا حسنا ، فللمحتج عن سيبويه أن يقول : قد كثر الكلام ب ( كم ) لأنه في كل مستفهم عنه من المقدار فاجتمع كثرة الاستعمال إلى منع التمكن ، ولم تكثر في باب ( خمسة عشر ) . والذي عندي أن جواز ذلك في ( كم ) لكثرة استعمالها وترددها في المواضع واعلم أنه يجوز أن تحذف من ( كم ) مفسره كما تحذف من عشرين ونظائره ، وتكتفي بالدلالة عليه مما يجري ( ذكره ) أو مما يقتضيه الكلام ولا يكون مميزه إلا واحدا منكورا من النوع ، كما لا يكون إلا ذلك في عشرين ونظائره . فإذا لم يكن بعد ( كم ) ما يصح أن يكون مميزا له علمت أنه قد حذف مميّزه وذلك قولك كم عبد اللّه ماكث ، فعبد اللّه مبتدأ ، وماكث خبره ، وعريت ( كم ) من ذكر المميز ، وكانت مسألة السائل عن مقدار مكث عبد اللّه من الزمان ، فقدرت كم يوما أو كم شهرا ، أو ما أشبه ذلك ، وكم في موضع نصب ، ينصبه ماكث ، وهو ظرف من الزمان ، ولأن ( كم ) يسأل بها عن كل مقدار جاز أن يسأل بها عن الزمان وعن المكان وعن المصادر وعن الأسماء . فعن أي شيء سئل بها صارت من ذلك الجنس ، فإذا قلت : كم سرت ؟ وأنت تريده ما ساره من المسافة فهو ظريف من المكان ، كأنك قلت : كم فرسخا سرت ، أو كم ميلا ، ونحو ذلك . وإذا أردت مساره من الأيام فهو ظرف من الزمان ، وتقديره : كم يوما سرت ؟ أو كم ساعة ، أو نحو ذلك مما تقصد ويفهم عنك . فإذا قلت : كم غلمانا لك لم يجز على وجه من الوجوه ؛ لأنك إن نصبت غلمانا على التمييز لم يجز ؛ لأن ( كم ) في الاستفهام لا يميز إلا بواحد ، كعشرين . وإن أردت نصبها على الحال لم يجز ؛ لأن العامل ( لك ) وهي مؤخرة ، فلا يجوز ذلك . كما لا يجوز : زيد - قائما - فيها . فإن قدمت فقلت : كم لك غلمانا جاز كما يجوزه عبد اللّه - فيها قائما ، وتقديره : كم مماليكك في حال ما هم غلمان ، أو كم ولدك غلمانا ، كما تقول : لك مائة بيضا ، أي في حال ما هي بيض . وإذا قال : كم غلمان لك فتقديره : كم غلاما غلمان لك ، فيكون كم مبتدأ ،