حسن بن عبد الله السيرافي
492
شرح كتاب سيبويه
وغلمان خبره ، ولك صفة ، وقد ذكرنا أن ( كم ) في الاستفهام تنصب لا غير . وقد ذكر سيبويه عن الخليل : على كم جذع بيتك مبنيّ ؟ وذكر أن القياس النصب ، وإنما خفض بإضمار ( من ) وصارت ( على ) في أول الكلام عوضا منها ، ولاها اللّه لا أفعل ، وآللّه ليفعلن ، ألف الاستفهام في اسم اللّه تعالى ، و ( ها ) في ( لاها ) عوض من واو القسم ، وقد ذكر ذاك في موضعه . و ( كم ) في الخبر تخالف ( كم ) في الاستفهام في المميز وفي إعراب المميز ، أما المميز في ( كم ) للاستفهام فهو واحد منكور ، وإعرابه النصب . وأما ( كم ) في الخبر ، فمميز ويكون واحدا وجميعا ، ويكون مخفوضا ومنصوبا ، والأكثر فيه الخفض ، وذكر أصحابنا أنهم نصبوا بها في الاستفهام وخفضوا في الخبر للفرق بين المعنيين . ولقائل أن يقول : فلم صارت التي للاستفهام أولى بالنصب والأخرى أولى بالخفض ؟ فالجواب عن ذلك : أن التي في الخبر تضارع ( ربّ ) وهي حرف ، وكم للتكثير ورب للتقليل ، فلما وجب في التي تضارع ( رب ) في الخبر الخفض بمضارعة ( رب ) وجب للأخرى النصب ؛ لأن العدد إما عمل نصبا أو خفضا . ومما تقوي ذلك أن الاستفهام مضارع للفعل ، والفعل له النصب ، فكذلك جعلت بمنزلة ما ينصب ، وإنما أضيف التي في الخبر إلى الجمع والواحد ؛ لأنه لما وجب لها الخفض وكان العدد الخافض بعضه يميّز بجمع كقولك : ثلاثة أثواب وخمسة أجمال وبعضه يميّز بواحد كقولك : مائة ثوب وألف درهم ، فيجوز في ( كم ) الوجهان ، كما جاء في العدد الذي تعمل عمله . والذين ينصبون بها في الخبر يحملونه على الاستفهام ، وهو الأصل لأن ( كم ) عدد منهم فأصلها الاستفهام ؛ لأن المستفهم يحتاج أن يبهم لشرح ما يسأل عنه ، وليس الأصل في الإخبار والإبهام ، فذلك صار الأصل الاستفهام ، فإذا نصب بما في الخبر جاز أن يكون المنصوب جماعة ؛ لأنه يزد به ما لباب فيه . والأكثر الخفض ، فصار كقولك : مائتين عاما وثلاثة أثوابا إذا احتاج إلى نصبه الشاعر فإذا فصلت بين ( كم ) وهي خافضة ، وبين ما تخفضه فإن الأحسن حملها على لغة من ينصب بها لقبح الفصل بين الخافض والمخفوض ، وقد ذكرت ما أنشده في ذلك . وبيت الفرزدق من ينشد على ثلاثة أوجه : أجوده الخفض ؛ لأنه خبر ، كم عمة لك يا جرير ، هي في معنى ( عمات ) وبعدها النصب ، وهي - أيضا - في معنى عمات ، وإذا رفع فقيل :