حسن بن عبد الله السيرافي
470
شرح كتاب سيبويه
عشنا وإنّ لنا مرتحلا إلى الآخرة إذا فنينا . ويقال إنّ في الدنيا محلا ومرتحلا إلى الآخرة إذا فنينا ، والسفر : المسافرون يعني به من مات . وقال أبو عمرو مهلا مهلة لمن بقي بعدهم ؛ أي يستعد ويصلح من شأنه . وقال أبو عبيدة : إنّ مقيما وإنّ مسافرا ، وإن في السفر إذ مضى مهلا . قال ذهابا لا يرجعون ، وقيل إن للسفر : يريد من قدم لآخرته فاز وظفر ، والمهل : السبق . والذي عند سيبويه أنّ الخبر محذوف ، وهو مستقر كنحو ما قدرناه وذكرناه . وقال الفراء : إنما تحذف مثل هذا إذا كررت ( إن ) لتعرف أن أحدهما مخالف للآخر عند من يظنه غير مخالف . ويحكى أنّ أعرابيّا قيل له الذبابة الفارة ، فقال : إن الذبابة وإنّ الفارة . قال : وتقديره إن الذبابة ذبابة وإن الفارة فارة ، ومعناها إنّ هذه مخالفة لهذه . والخلاف الذي بين الاسمين يدل على الخبر . قال والفائدة أن المحل خلاف المرتحل ، وأنشد أصحابنا في الواحد الذي لا مخالف معه قول الأخطل : خلا إنّ حيّا من قريش تفضلوا * على الناس أو أنّ الأكارم نهشلا " 1 " وقد اطرد الحذف في ( لا ) كقولنا لا حول ولا قوة إلّا باللّه ، ولا حول ولا قوة إلّا باللّه . والتقدير : لا حول لنا ولا قوة . والفراء قائل بهذا الحرف . فهذا شاهد لذلك . وذكر سيبويه من المحذوف : إن غيرها إبلا وشاة ، اسم إنّ ( غيرها ) والخبر ( لنا ) وهو محذوف . وإبلا وشاة منصوب على التمييز أو الحال ؛ كقوله : ما في الناس مثله فارسا . ومثل ذلك قول الشاعر : يا ليت أيام الصبى رواجعا " 2 " تقديره : يا ليت لنا أيام الصبى ، أو يا ليت أيام الصبى أقبلت رواجعا ، ورواجعا منصوب على الحال ، وهو كقوله : ألا ماء باردا ، ومعناه ألا ماء لنا باردا . وتقول إن قريبا منك زيدا إذا جعلت قريبا منك موضعا ، أي أن في مكان قريب منك زيدا ، وإذا جعلت الأول هو الآخر قلت إن قريبا منك زيدا . أردت من القرابة أو القرب كأنك قلت : إن رجلا قريبا منك زيد ، وهو مستعمل ؛ لأنه قد قربته من المعرفة بدخول منك ، ومثله : إنّ بعيدا منك زيد ، يريد أن رجلا بعيدا منك زيد . إما في بعد النسب أو بعد المذهب
--> ( 1 ) البيت في ابن يعيش 1 / 104 ، والخصائص 2 / 374 ، المقتضب 4 / 131 ، وتاج العروس ( نهشل ) . ( 2 ) الرجز لرؤبة في ابن يعيش 1 / 104 ، والكتاب 1 / 284 .