حسن بن عبد الله السيرافي
305
شرح كتاب سيبويه
تقدم قولنا فيه . وأما ما يقصد فيه تقدير القرب والبعد على وجه المساحة ، فقولك : هو مني فرسخان ، وهو مني عدوة الفرس ، ودعوة الرجل ، وهو مني يومان ، وهو مني فوت اليد . فإن هذا لا يستعمل فيه إلا الرفع ، ويفارق الباب الأول لأن معنى هذا أنه يخبرك أن بينه وبينه فرسخين ، ويومين ، ومعنى فوت اليد : أن يمدّ يده إليه فلا يناله ، ويريد به تقريب ما بينهما ، فجرى على الكلام الأول كأنه هو توسّعا كما قالوا : أخطب ما يكون الأمير يوم الجمعة ، وإلا فتقديره إذا قلت : هو مني فرسخان ، أي بعده مني مسيرة فرسخين فيجوز وكما يجوز وفي يوم الجمعة حين قالوا : أخطب أيامه يوم الجمعة ، واليوم لا يخطب ، فجعلوه خطيبا ، وكما قالوا : أمّا النهار ففي قيد وسلسلة . وإنما يريد : المقيد في النهار ، فأجرى اللفظ على النهار ، فأما قوله : ( وقول العرب أنت مني براء ومسمع ) . وذكر الفصل . فإنه يريد أنهم رفعوه ، جعلوه الأول كما قالوا : زيد مني قريب ، ومن العرب من ينصب فيقول مرأى ومسمعا فجعله ظرفا لأنهم قالوا : بمرأى ومسمع ، فدخلت عليه الباء ، صار غير الاسم الأول فإذا صار غيره ولا يأتيه نصب ، نصب على الظرف كما تقول : أنت مني مكان زيد أو أنت مكان زيد . قال سيبويه : ( واعلم أن هذه الظروف بعضها أشد تمكنا من بعض في أن تكون أسماء كالقصد والنّحو والقبل والناحية ) . وإنّا قد ذكرنا تمكن هذه الأسماء وأنها أقرب إلى الأسماء المتمكنة من الخلف والأمام . قال سيبويه : ( وأمّا الخلف والأمام والتحت والفوق ، فتكون أسماء ، وكينونة تلك أكثر وأجرى في كلامهم ) . فإنه يعني : أن القصد والنحو والقبل والناحية ، أكثر في الأسماء من الخلف والأمام ، وقد ذكر سيبويه في الباب قبل هذا : ( أن دونك لا يرتفع أبدا ) ، وقد ذكره هاهنا فيما أجاز رفعه بما يكون أسماء غير ظروف ، والأقيس أن يكون بمنزلة الخلف والأمام ، وهو قول النحويين إلّا من احتج لسيبويه أنه فوق بين دونك ظرفا ، وبينه إذا كان بمعنى : وضيعك ، وكذا مرأى ومسمعا كونهما أسماء أكثر ، ومع ذلك فإنهم جعلوه اسما خاصا