حسن بن عبد الله السيرافي
92
شرح كتاب سيبويه
وحرفين ، غير أن الغالب على " منذ " أن تكون حرفا ، وعلى " مذ " أن تكون اسما : وأنا مبين جملة كافية في ذلك إن شاء اللّه . تقول : " ما رأيته منذ يوم الجمعة " و " ما رأيته منذ اليوم " . وإذا قلت : " ما رأيته منذ يوم الجمعة " كان معناه : انقطعت رؤيتي له من يوم الجمعة ، فكان يوم الجمعة لابتداء غاية انقطاع الرؤية ، فمحل ذلك من الزمان كمحل " من " في المكان . إذا قلت : " ما سرت من بغداد " ، أي ما ابتدأت السير من هذا المكان ، فكذلك : ما وقعت رؤيتي عليه من هذا الزمان ، غير أن " من " على ما ذكرها البصريون تستعمل في غير الزمان ، ويستعمل مكانها في الزمان : " منذ " . فإن قال قائل : فقد قال اللّه عز وجل : لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ " 1 " ، و " أول يوم " من الزمان ، فقد دخلته " من " على الزمان . ثم قال زهير : لمن الدّيار بقنّة الحجر * أقوين من حجج ومن دهر " 2 " وحجج معناها : سنون ، وقد دخل عليها : " من " . فالجواب في ذلك : أن قوله : " من أول يوم " يجوز أن يكون معناها : من تأسيس أول يوم ، وحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه . وقول زهير : " من حجج " أي من مر حجج . والكوفيون يزعمون أن " من " تصلح للمكان والزمان ، و " منذ " لا تصلح إلا للزمان ، وتعلق بعضهم بما ذكرناه وقد أنبأنا عما فيه . وتقول : " ما رأيته مذ يوم الجمعة " و " ما رأيته مذ السبت " وإن شئت قلت : " مذ السبت " . فأما من ضم الذال فإنه اتبع الضمة الضمة . ومن كسر فلالتقاء الساكنين على ما يجب من الكسر لالتقاء الساكنين . وفي الضم وجه آخر ، وهو أن " مذ " مخففة من : " منذ " ، كما خففت " رب " من : " ربّ " ، وقد كانت الذال من " منذ " مضمومة ، فلما اضطر إلى تحريك الذال في " مذ " ضم بحركته في : " منذ " .
--> ( 1 ) سورة التوبة ، آية 108 . ( 2 ) البيت لزهير في ديوانه ص 86 ، وخزانة الأدب 4 / 126 .