حسن بن عبد الله السيرافي
93
شرح كتاب سيبويه
فإن قال قائل : فما حكم " مذ " في هذا الوجه وتقديرها ؟ قيل له : حكمها أن تكون اسما ، وتقديرها أن تكون مبتدأة ، ويكون ما بعدها خبرها ، كأنك قلت : " ما رأيته مدة ذلك يوم السبت : فيكون على كلامين " . فإن قيل : فهلا خفضت بمذ ، وجعلتها مثل : " من " كما فعلت ذلك بمنذ ؟ قيل له : لما كانت " منذ " تكون اسما وتكون حرفا ، وكانت الأسماء أجمل للحذف من الحروف ، آثروا الحذف لها في حالها اسما . فإذا جعلت : " منذ " لما أنت فيه صار حرفا بمنزلة " في " ، وانخفض ما بعدها ؛ وذلك أنك إذا قلت : " ما رأيته مذ يوم الجمعة " ، فإنما معناه : انقطاع رؤيتي له ابتداؤه يوم الجمعة ، وانتهاؤه الساعة ؛ فتضمنت " مذ " معنى الابتداء والانتهاء . وإذا قلت : " ما رأيته مذ اليوم " ، فليس فيه إلا معنى ابتداء الغاية ، وهي في معنى " في " وانخفض ما بعدها . وزعم بعض أصحابنا أن " منذ " و " مذ " هما اسمان على كل حال . فإذا رفعنا ما بعدهما كان التقدير على ما مرّ ، وإذا خفضنا ما بعدهما كانا في تقدير اسمين مضافين ، وإن كانا مبنيين كقوله تعالى : مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ " 1 " نضيف " لدن " ، وإن كان مبنيا ، إلى حكيم عليم ، وإن كان ما بعدهما مرفوعا ، فتقديرهما تقدير اسم مبتدأ ، وما بعدهما خبرهما ، ويكون من كلامين على النحو الذي قد تقدم . ومثله في خفض ما بعده ورفعه : " كم " تقول : كم رجل جاءني " فتكون " : " كم " بمنزلة عدد مضاف في الخبر . وتقول : " كم دراهمك " فتكون اسما في موضع الرفع خبرا لما بعدها ، ويكون ما بعدها مرفوعا على الابتداء . واستدل أصحابنا على خلاف هذا القول ، وأنها حرف إذا انخفض ما بعدها بأن قالوا : رأيناها في الزمان تقوم مقام " من " وتكون لابتداء الغاية ، و " من " حرف ، فلا يجوز أن يكون ما في معناها وواقعا موقعها إلا حرفا . فإن قال قائل : فإذا كانت : " منذ " و " مذ " على ما وصفتم من أمرهما ، فلم كان الغالب على " منذ " أن يكون ما بعدها مخفوضا ، وعلى : " مذ " أن يكون ما بعدها مرفوعا في الماضي ؟
--> ( 1 ) سورة النمل ، آية 6 .