حسن بن عبد الله السيرافي
315
شرح كتاب سيبويه
من قبل ، وإنما هي خشّع لموته فكأنه قال : تواضعت الجبال الخشّع لموته ، كما قال رؤبة : والسّبّ تخريق الأديم الألخن " 1 " ولم يقل " الأمتن " فيكون أبلغ على ما ذكرنا ، ولكنه أراد الألخن بالسّبّ . وقال ذو الرمة : مشين كما اهتزّت رماح تسفّهت * أعاليها مرّ الرّياح النّواسم " 2 " فأنّث والفعل للمرّ ؛ لأنه لو قال : تسفّهت أعاليها الرياح ، لجاز . وقال العجّاج : طول الّليالي أسرعت في نقضي * أخذن بعضي وتركن بعضي " 3 " فأنث " أسرعت " ؛ لأنه لو قال : الليالي أسرعت في نقضي ، لجاز . قال سيبويه : " وسمعنا من العرب من يقول ممن يوثق : اجتمعت أهل اليمامة ؛ لأنّه يقول في كلامه : اجتمعت اليمامة ، والمعنى ، أهل اليمامة ، فأنّث الفعل إذ جعله في اللّفظ لليمامة ، فترك اللفظ على ما كان يكون عليه في سعة الكلام " . يعني ترك لفظ التأنيث في قولك : اجتمعت أهل اليمامة على قوله : اجتمعت اليمامة . وقال الفراء : لو كنّيت عن المؤنّث في هذا الباب لم يجز تأنيث فعل المذكّر الذي أضيف إليه ، لو قلت إن الرّياح آذتنى هبوبها ، لم يجز أن تؤنث " آذتنى " إذا جعلت الفعل للهبوب . واحتج بأنّا إذا قلنا : " آذتني هبوب الرّياح " فكأنّا قلنا : " آذتني الرياح " وجعلنا الهبوب لغوا وإذا قلنا : " آذتني هبوبها " لم يصلح أن يجعل الهبوب لغوا ، ؛ لأنّ الكناية لا تقول بنفسها ، فتجعل الهبوب لغوا . والصحيح عندنا جوازه ، وذلك أنّ التأنيث الذي ذكرناه ، إنما أجزناه ؛ لأنه تجوز العبارة عنه ، بلفظ المؤنث المضاف إليها ، لا لأنه لغو ، وقد تجوز العبارة بلفظ المؤنث عن لفظ المذكّر ، وإن كان لفظها مكنيا ، ألا ترى أنّا نقول : إن الرّياح آذتني ، وإن أصابعي ذهبت ، وأنّا نريد البعض والهبوب .
--> ( 1 ) البيت في ديوانه 160 ، واللسان ( لخن ) . ( 2 ) البيت في ديوانه 616 ، وسيبويه 1 / 25 ، والخزانة 2 / 169 ، واللسان ( سفه ) . ( 3 ) البيت في ملحق ديوانه 80 ، والخزانة 2 / 68 .