حسن بن عبد الله السيرافي
314
شرح كتاب سيبويه
فقولك : اجتمع أهل اليمامة و " ذهب بعض أصابعه " أجود من " اجتمعت " و " ذهبت " ، والتأنيث على الجواز . ومثل تأنيث ما ذكرنا قول الأعشى : وتشرق بالقول الّذي قد أذعته * كما شرقت صدر القناة من الدّم ومثل ذلك قول جرير : إذا بعض السّنين تعرّقتنا * كفى الأيتام فقد أبي اليتيم فأنّث " تعرّقتنا " والفعل للبعض ، إذ كان يصح أن يقول : إذا السّنون تعرّقتنا ، وهو يريد بعض السّنين . وقال جرير أيضا : لمّا أتى خبر الزّبير تواضعت * سور المدينة والجبال الخشّع " 1 " فأنّث " تواضعت " والفعل للسّور ؛ لأنه لو قال : تواضعت المدينة لصح في المعنى الذي أراده بذكر السور . وكان أبو عبيدة معمر بن المثنى يقول : إن السّور جمع سورة ، وهي كل ما علا ، وبها سمّي سور المدينة سورا ، فزعم أنّ تأنيث " تواضعت " ؛ لأن السور مؤنث ؛ إذ كان جمعا ليس بينه وبين واحدة إلا طرح الهاء ، كنحلة ونحل ، وإذا كان الجمع كذلك جاز تأنيثه وتذكيره . وقال اللّه تعالى : كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ " 2 " فذكّر . وقال اللّه تعالى : وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ " 3 " فأنث . فأما قوله : " والجبال الخشّع " فمن الناس من يرفع الجبال بالابتداء ، ويجعل الخشع الخبر ، كأنه قال : والجبال خشّع . ولم يرفعها بتواضعت ؛ لأنه إذا رفعها بتواضعت ذهب معنى المدح ؛ لأن الخشّع هي المتضائلة ، فإذا قال : تواضعت الجبال المتضائلة لموته لم يكن ذلك طريق المدح ، وإنما حكمه أن تقول : تواضعت الجبال الشّوامخ . وقال بعضهم : الجبال مرتفعة بتواضعت والخشّع نعت لها ، ولم يرد أنها كانت خشّعا
--> ( 1 ) البيت في ديوانه ص 345 ، وسيبويه 1 / 25 ، والخزانة 2 / 166 ، واللسان ( سور ) . ( 2 ) سورة القمر ، آية : 20 . ( 3 ) سورة ق ، آية : 10 .