حسن بن عبد الله السيرافي
284
شرح كتاب سيبويه
كأنك قلت : عرفته في حال انطلاقه . ولا فرق بين العلم والمعرفة ، ووجود القلب ورؤيته إذا أردت بها العلم في التّحصيل ، غير أنّ العرب تجعل عرفت زيدا لمعرفة ذاته فقط ، وتجعل " وجدت " و " رأيت " لمعرفة قصّته فقط ، كقولك : وجدت زيدا منطلقا ، و " رأيته متكلّما " ، وتجعل " علمت " مرّة لمعرفة الذات فقط ، في مذهب " عرفت " ومرّة في معرفة القصّة ، في مذهب " وجدت " . وقال اللّه تعالى : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ " 1 " وقال اللّه تعالى : وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ " 2 " . قال سيبويه : " أمّا ظننت ذاك ، فإنما جاز السّكوت عليه ؛ لأنك تقول : ظننت فتقتصر " . يعني : أنّ قول العرب : " ظننت ذاك " إنما يعنون ذاك الظّنّ ، وقد جاز أن تقول : ظننت ، كما بينّا ، فإذا جئت بذاك ، وأنت تعني به المصدر ، فإنما أكّدت الفعل ، ولم تأت بمفعول يحوج إلى مفعول آخر . قال سيبويه في تفسير هذا : " تقول ظننت ثم تعمله في الظن ، كما تعمل ذهبت في الذهاب ، فذاك هاهنا الظن كأنك قلت : ظننت ذاك الظنّ وكذلك : خلت وحسبت . يعني إذا قلت : خلت ذاك ، وحسبت ذاك . قال : " ويدلّك على أنه الظن أنك لو قلت : خلت زيدا وأرى زيدا يجز " . وهذا بيّن . ثم قال : " وتقول : ظننت به ، أي جعلته موضع ظنّك ، كما تقول : نزلت به ، ونزلت عليه " : وقد بينا أن اتصال هذه الأفعال بحروف الجر كاتصالها بالظروف ، ولا تحوج إلى ذكر مفعول آخر . ثم قال : " ولو كانت الباء زائدة بمنزلتها في قوله : كفى باللّه ، لم يجز السّكوت عليه " .
--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية : 65 . ( 2 ) سورة الأنفال ، آية : 60 .