حسن بن عبد الله السيرافي

275

شرح كتاب سيبويه

ذلك : " اخترت الرّجال زيدا " ، ومثل ذلك قوله تعالى : وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا " 1 " و " سمّيته زيدا " و " كّتّبت زيدا أبا عبد اللّه " و " دعوته زيدا " ، إذا أردت " دعوته " التي تجري مجرى " سمّيته " ، وإن عنيت الدّعاء إلى أمر لم يجاوز مفعولا واحدا " . قال أبو سعيد : اعلم أنّ هذا الباب يشتمل على وجهين من التعدّي ؛ أحدهما : أن يتعدّى الفعل إلى مفعولين ، وأحد المفعولين فاعل بالآخر فعلا يصل إليه من غير توصّل حرف جرّ ، وذلك قولك : " أعطى عبد اللّه زيدا درهما " ، وذلك أن زيدا قد أخذ الدّرهم وهو فاعل به الأخذ ، وقد وصل الأخذ منه إلى الدرهم من غير توسّط حرف جر ، وكذلك " كسوت بشرا الثّياب الجياد " . وكان الأصل . " أخذ زيد درهما " و " لبس بشر الثّياب الجياد " وقد علم أنّ الأخذ لا بدّ له من مأخوذ منه ، واللابس لا بدّ له من كأس ، فأردت أن تبيّن من الذي أوصل إليه الأخذ ، والذي كساه ، فلمّا ذكرتهما لم يكن بدّ من رفعهما ؛ لأنهما أدخلا الفاعل في فعله ، وهو زيد وبشر ، فرفعتهما بفعلهما الذي فعلاه بالفاعل من إيصاله إلى فعله بالمفعول ، وهو الدّرهم والثّياب ، فاكتفى الفعل بالفاعل وارتفع به ، ونصب ما سواه ؛ لأن الفعل لا يرفع أكثر من واحد . والوجه الثاني من وجهي ما يشتمل عليه الباب : أن يتعدّى الفعل إلى مفعول بغير حرف جر ، ويتّصل بآخر " من " ، ولم يكن المفعول في الأصل فاعلا بالذي فيه حرف الجر ، فنزع حرف الجرّ من الثاني ، فيصل الفعل إليه ، وذلك قولك : " اخترت الرّجال عبد اللّه " . والأصل : " اخترت عبد اللّه من الرّجال " ، وحذفت " من " ، فوصل الفعل إلى الرجال ، ولم يكن " عبد اللّه " فاعلا بالرجال شيئا ، كما فعل زيد بالدرهم الأخذ . ومثل ذلك : " سمّيته زيدا " و " كتّبت زيدا أبا عبد اللّه " والأصل : " سمّيته بزيد " و " كتّبت زيدا بأبي عبد اللّه " ، ولم يكن زيد فاعلا بأبي عبد اللّه شيئا . فإن قال قائل : أنت تقول : " تكنّى زيد أبا عبد اللّه " ، تجعله فاعلا ، وتنصب " أبا عبد اللّه " فتجعله مفعولا له ، فهلا جعلته من القسم الأول . قيل له : ليس في قولنا : " تكنّى زيد أبا عبد اللّه " و " تسمّى أخوك زيدا " دلالة على أن أحدهما فاعل بالآخر ، إنما هو من باب قبول الفعل الذي أوقع به ، وهو قولك : " حرّكته

--> ( 1 ) سورة الأعراف ، آية : 155 .