حسن بن عبد الله السيرافي

250

شرح كتاب سيبويه

ومن ذلك قوله : ليبك يزيد ضارع لخصومة * ومختبط مما تطيح الطوائح فبدأ بفعل لم يسمّ فاعله ، ثم أتى بالفعل أن بنى الفعل بناء ما لم يسمّ فاعله ، وكان الوجه أن يقول : ليبك يزيد ضارع لخصومة . وتقدير الرفع في الثاني وهو " ضارع " : ليبكه ضارع لخصومة ، وذلك أنه لما قال : ليبك يزيد دلّ هذا الفعل على أنه أمر قوما يبكونه ، فقال : ضارع لخصومة ، يعني من أمره بالبكاء ، فأضمر : " لبكه " . ومثل ذلك قراءة بعضهم : وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ " 1 " على تقدير : زيّنه شركاؤهم ؛ لأنه قد دلّ " زيّن " على قوم قد زيّنوا ، فرفعهم على ذلك الفعل ، وهم الشركاء ، وليس هذا بالمختار في كتاب اللّه تعالى ؛ لأنه لا يجري مجرى ضرورة الشاعر . ومن ذلك قوله : وجدنا الصّالحين لهم جزاء * وجنّات وعينا سلسبيلا " 2 " فنصب جنّات وما بعدها ، وكان الوجه الرفع عطفا على قوله : " جزاء " ، وإنما فعل هذا واستجازه ؛ لأنه حين قال " وجدنا الصّالحين لهم جزاء " ، دلت على أنه قد وجد الجزاء لهم ، فأضمر وجدنا ونصب " جنات " وما بعدها . ومن ذلك بيت أنشده سيبويه على وجه الضرورة ويجعله غيره على غير ضرورة ، وهو قول الشماخ : أمن دمنتين عرّج الرّكب فيهما * بحقل الرّخامي قد عفا طللاهما أقامت على ربعيهما جارتا صفا * كميتا الأعالي جونتا مصطلاهما " 3 " قال سيبويه : هذا هو مثل " هند حسنة وجهها " وهذا قبيح ، ولا يجوز في الكلام ، وإنما الوجه أن تقول : " هند حسنة الوجه " أو " حسنة الوجه " وما أشبه ذلك ، إذا لم ترفع

--> ( 1 ) سورة الأنعام ، آية : 137 . ( 2 ) البيت لعبد العزيز الكلابي في سيبويه 1 / 146 . ( 3 ) البيتان في ديوانه 307 .