حسن بن عبد الله السيرافي
249
شرح كتاب سيبويه
والوجه : الرفع . ومن ذلك قوله : قد سالم الحّيات منه القدما * الأفعوان والشّجاع الشّجعما " 1 " وكان الوجه أن يقول : الأفعوان الشجاع الشجعم ، غير أنّ قوله : " قد سالم الحيّات منه القدما " يوجب أن القدم أيضا قد سالمت الحيات ؛ لأن باب المفاعلة يكون من اثنين كل واحد منهما يفعل بصاحبه مثل ما يفعل به صاحبه . فلما ذكر مسالمة الحيات للقدم دلّ أن القدم أيضا قد سالمت فكأنه قال : وسالمت القدم الشّجاع الشجعما ، فحذف لما ذكرنا . وكان بعض النحويين يروي هذا البيت بنصب " الحيات " منه ويجعل " القدما " في معنى القدمان ، ويحذف النون ، كما قال تأبط شرّا : هما خطّتا إمّا إسار ومنّه * وإما دم والقتل بالحرّ أجدر " 2 " أراد : خطتان ، فحذف ، وحمل حذف النون على قوله : . . . إنّ عمّيّ اللّذا * قتلا الملوك وفكّكا الأغلال " 3 " أراد : اللذان ؛ لأنّ اللّذان يحتاج إلى صلة ، وهي والصّلة كالشئ الواحد فاستطال فحذف . ومن ذلك : فكرّت تبتغيه فصادفته * على دمه ومصرعه السّباعا " 4 " على تقدير : صادفت السّباع على مصرعه ، وكان الوجه أن يقول : على دمه ومصرعه السّباع ؛ لأنه لم يعطف السباع على الهاء التي في " صادفته " ، ولو فعل هذا لكان النصب جيّدا ، وكان يقول : صادفته السباع على دمه ومصرعه ، ثم يؤخّر . فلما لم يعطف كان الوجه أن يجعل الجملة الثانية في موضع الحال ، فوجب أن يرفع السّباع لذلك ، فإذا نصبه فهو على مثل الأول الذي جرى ذكره ، وكان أبو العباس المبرد يروي هذا البيت : فكرّت عند فيقتها فألفت * على دمه ومصرعه السّباعا
--> ( 1 ) البيت منسوب لعبد بني عبس في سيبويه 1 / 145 ، وبلا نسبة في اللسان ( شجع ) . ( 2 ) البيت في الخزانة 3 / 356 . ( 3 ) البيت للأخطل في ديوانه 44 ، والخزانة 3 / 473 . ( 4 ) البيت للقطامي في ديوانه 45 برواية مختلفة ، وسيبويه 1 / 143 .