حسن بن عبد الله السيرافي

244

شرح كتاب سيبويه

فإن بعض الناس يتأوله على معنى : تحلّنا وتنزلنا . من غير أن تنتقل إلينا ، على المذهب الذي ذكرناه في : ذهبت به ، من غير أن تذهب معه . قال أبو سعيد : والأمر عندي على خلاف ذلك ، من قبل أنهم لما رأوا ديارهم اشتاقوا إليها ، وتصوروها ، فصارت بالتصوّر كأنها معهم نازلة في الديار ، فهي قد أنزلتهم ونزلت معهم . وأما قول الفرزدق : وما مثله في النّاس إلا مملّكا * أبو أمّه حيّ أبوه يقاربه " 1 " فإن فيه ضروبا من العيوب من التقديم والتأخير . وحق الكلام على ما ينبغي أن يكون عليه اللفظ ؛ وما مثله في الناس حي يقاربه إلا مملك أبو أمه أبوه ؛ وذلك أن الفرزدق مدح إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي ، خال هشام بن عبد الملك ، وأبو أم هشام بن عبد الملك أبو إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي ، فقال : " وما مثله " ، يعني إبراهيم الممدوح ، " في الناس حي يقاربه " ، أي أحد يشبهه ، " إلا مملك " ، يعني خليفة ، " أبو أمه " ، يعني أبو أم الخليفة ، " أبوه " ، يعني أبو الممدوح ؛ فالهاء في " أمه " تعود إلى الملك ، وهو هشام بن عبد اللّه ، والهاء في " أبوه " تعود إلى إبراهيم بن إسماعيل ، ففرق بين المبتدأ والخبر بما ليس منه ، وذلك أن قوله : " أبو أمه " مبتدأ في موضع نعت الملك ، ففرق بينهما بقوله : " حيّ " و " حيّ " هو خبر " ما " ، وفرق بين قوله : " حيّ " وبين قوله : " يقاربه " وهو نعت " حيّ " ب " أبوه " وهو خبر مبتدأ ، وقدم الاستثناء ، وترتيب الكلام مع تقديم الاستثناء أن يقال : " وما مثله في النّاس " إلا مملّكا أبو أمّه أبوه حيّ يقاربه " ، كما تقول " ما مثل زيد إلا عمرا أحد " . فلو لم يكن في هذا البيت إلا تقديم الاستثناء فقط ما كان معيبا ، والذي فيه عيبان ، أحدهما : الفصل بين المبتدأ وخبره بخبر " ما " ، والآخر : الفصل بين خبر " ما " ونعته بخبر المبتدأ . ومن ذلك قول الفرزدق : هيهات قد سفهت أميّة رأيها * فاستجهلت حلماؤها سفهاؤها حرب تردّد بينهم بتشاجر * قد كفّرت آباؤها أبناؤها " 2 " وتقديره : هيهات قد سفهت أميّة حلماؤها رأيها ، فاستجهلت سفهاؤها ، فأبدل

--> ( 1 ) البيت في ديوانه 108 ، واللسان ( ملك ) . ( 2 ) البيتان للفرزدق في اللسان ( كفر ) ، ولا يوجد منهما إلا الأول في ديوانه ص 8 .