حسن بن عبد الله السيرافي
245
شرح كتاب سيبويه
حلماؤها من أميّة ، ورفع سفاؤها باستجهلت ، ووضع الكلام في غير موضعه ؛ لأن قوله : " فاستجهلت " هو جواب لقوله : " قد سفهت " ، وفاعل الفعل الأول حكمه أن يأتي بعد الذي يعمل فيه الفعل الثاني . الذي يعمل فيه الفعل الثاني . قال أبو سعيد : وكان حكمه في الظاهر أن يعمل أحد الفعلين ، إما سفهت ، وإما استجهلت ، فأعملهما جميعا بعد الفعل الثاني ، وهذا كقولك : " ضربني وضربت زيدا " و " أعطاني وأعطيت زيدا درهما " ، إذا أعملت الفعل الثاني ، وإن أعملت الأول قلت : " أعطيت وأعطاني إيّاه زيدا درهما " ، فالذي تعمله في الظاهر أحد الفعلين ، ولا يحسن أن تقول : " أعطيت وأعطاني إيّاه زيد درهما " ترفع زيدا بالفعل الثاني ، وتنصب الدّرهم بالفعل الأول . وتقول أيضا على هذا : " ظنّ عمرو أو قال زيد منطلق " . إذا أعملت قال ، فإذا أعملت الظن فالوجه أن تقول : " ظنّ عمرو أو قال هو هو زيد منطلقا " ولو قلت : " ظنّ عمرو أو قال زيد هو إيّاه منطلقا " لم يحسن ، لأن الظاهرين إما أن يفعل فيهما الأول أو الثاني ، ولا يحسن أن يعمل كلّ واحد من الفعلين في واحد من الظاهرين ، وهذا كله إذا وقعت الأسماء بعد الفعلين جميعا ، فإذا وقع كل واحد من الأسماء في موضعه ، لم يحتج فيه إلى هذا واستعمل كما ينبغي ، فلما كانت " حلماؤها وسفهاؤها " بعد " سفهت " و " استجهلت " لم يحسن أن يكونا ظاهرين بعد الفعلين جميعا ، وأحدهما غير الآخر ، ولو كان أحدهما هو الآخر لكان أقرب إلى الجواز ؛ لأنه كان يجعل ظاهره مكان مضمره ، وذلك أنك إذا قلت : " قام فانطلق زيد " ورفعت زيدا بقام ، وجعلت في " انطلق " ضميرا منه ، صار التقدير : " قام زيد وانطلق " . قال أبو سعيد : يجوز على القياس : " قام فانطلق زيد زيد " على أنك ترفع زيدا الثاني بقام ، وترفع الأول بانطلق ، فيكون التقدير : قام زيد فانطلق زيد ، والوجه الإضمار ، وإن كان هذا جائزا . والدليل على جوازه قوله : لا أرى الموت يسبق الموت شيء * نغّص الموت ذا الغنى والفقيرا " 1 " والوجه أن يقول : لا أرى الموت يسبقه شيء .
--> ( 1 ) البيت منسوب لسوادة بن زيد في سيبويه 1 / 30 ، واللسان ( نغص ) .