حسن بن عبد الله السيرافي
231
شرح كتاب سيبويه
عن مواضع اللؤلؤ . ومعنى يدوم الفرات فوقها ويموج ، أي يسكن مرة ويهيج أخرى بالريح أو زيادة الماء . وذكر بعض أهل اللغة أن هذا صحيح ، وأن الأصمعي هو الغالط ، وكيف يذهب هذا على أبي ذؤيب ، وهو من هذيل ، ومساكنهم جبال مكّة المطلّة على البحر ومواضع اللؤلؤ ؟ وإنما أراد أبو ذؤيب بالفرات هاهنا ماء اللؤلؤة الذي قد علاها ، وجعله فراتا ؛ إذ كان أعلى المياه ما كان فراتا . وقوله : يدوم الفرات ، أي يسكن ويموج ، أي يضطرب ، وإنما أراد أنه يسكن في عين النّاظر مرّة ويضطرب أخرى لصفائها وبريقها ، وأن الماء هو ماء اللؤلؤة . وكقول امرئ القيس : كبكر المقاناة البياض بصفرة * غذاها نمير الماء غير محلّل " 1 " ذكر بعض أهل اللغة أنّ " البكر " هاهنا الّلؤلؤة ، وجعلها بكرا لأنها أول شيء يخرج من الصدف ، وذكروا أنّ اللؤلؤة الكبيرة النفيسة تكون في طرف الصّدفة ، فأول ما تشقّ تخرج ، فلذلك سمّيت بكرا . وأما قوله : " غذاها نمير الماء " - والنمير : العذب المشروب - فإنه لم يرد أنها في العذب المشروب ، وإنما أراد أنّ ماء البحر الذي هي فيه غذاء لها ، كغذاء الماء العذب لنا ، والنمير : العذب ، فماء البحر نميرها . وقوله " غير محلّل " أي لا يحلّه أحد مستوطنا مقيما . وقد تبدل بعض العرب حروفا من حروف لا يجري ذلك مجرى الضرورة ؛ لأنّ ذلك لغتهم كإبدال بني تميم العين من الهمزة . كما قال ذو الرمة : أعن ترسّمت من خرقاء منزلة * ماء الصّبابة من عينيك مسجوم " 2 " وإنما أراد : أأن ترسّمت . وإنما يفعلون هذا في الهمزتين إذا اجتمعتا كراهية اجتماعهما . وهذا الذي نسميه عنعنة تميم . وربما أبدلوا من الهمزة الواحدة مع النون ، وأكثر ذلك في " أن " ؛ وسمّى " عنعنة " لاجتماع العين والنون ، فركبوا منهما فعلا .
--> ( 1 ) البيت في ديوانه ص 16 ، واللسان ( قنا ) . ( 2 ) البيت في ديوانه 567 ، واللسان ( رسم ) .