حسن بن عبد الله السيرافي
155
شرح كتاب سيبويه
بالياء والنون ؛ وذلك لأنه وصفها بالسجود ، الذي يكون مما يعقل ، ولو أجراها على معناها وحقها من اللفظ لقال : " ساجدات " وقال تعالى : قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ " 1 " ولم يقل : " ادخلن مساكنكن " ؛ لأنه أخبر عنهنّ بالخطاب الذي يكون لما يعقل . ولهذا نظائر كثيرة في القرآن وغيره . قال الشاعر : شربت بها والدّيك يدعو صباحه * إذا ما بنو نعش دنوا فتصوّبوا " 2 " ويروى : " شربت بهم " . وقال : " دنوا فتصوّبوا " ، وكان حقّه أن يقول : " دنونن فتصوّبن " ؛ لأنها مما لا يعقل ، إلا أنه أجراها مجرى ما يعقل ، إذ كان دورها على تقدير لا يختلف ، كقصد العاقل الشيء الذي يعمله ، فجعلوا " البراغيث " مشبّهة بما يعقل ، حين وصفت بالأكل ، وصارت الألف إذا كانت إضمارا ، بمنزلة التاء في : " قلت " ، وإذا كانت علامة بمنزلة التاء في : " قالت " ؛ لأن التاء في : " قلت " ضمير المتكلم ، وفي : " قالت " علامة للتأنيث . قال سيبويه : " فأثبتوها في الرفع وحذفوها في الجزم " . يعني النون ، " كما حذفوا الحركة في الواحد " . وقال : " ووافق النصب الجزم في الحذف " . يعني : في حذف النون في الاثنين . وقد ذكرنا في كم شيء يوافقه ، وأنبأنا عن العلة في ذلك . وقال : " كما وافق النصب الجرّ في الأسماء ؛ لأن الجزم نظير الجرّ في الأسماء ، وليس لها في الجزم نصيب ، كما ليس للفعل في الجرّ نصيب ؛ وذلك قولك : " هما يفعلان " و " لم يفعلا " و " لن يفعلا " و " لن تفعلا " . وقد مر تفسير هذا كله ، وبيان علته . قال : وكذلك إذا ألحقت الأفعال علامة للجمع لحقتها زائدتان ، إلا أن الأولى واو مضموم ما قبلها ، لئلا يكون الجمع كالتثنية ونونهها مفتوحة بمنزلتها في الأسماء كما فعلت في ذلك في التثنية ؛ لأنهما وقعتا في التثنية والجمع هاهنا ، كما أنهما في الأسماء كذلك ،
--> ( 1 ) سورة النمل ، آية 12 . ( 2 ) البيت للنابغة الجعدي في ديوانه 10 ، والخزانة 3 / 421 ، واللسان ( نعش ) .