عثمان بن أبي بكر الدوني ( ابن الحاجب )
321
الإيضاح في شرح المفصل
المعنى فاعل « 1 » ، فكما أنّ الفاعل لا يتقدّم على الفعل فكذلك هذا ، ألا ترى أنّ قولك : « حسن زيد أبا » معناه : حسنت أبوّة زيد ، أو حسن أبو زيد . والثاني « 2 » أنّ تقديمه يخرجه عن حقيقة التمييز ، فكان في تقديمه إبطال أصله ، إذ حقيقة التمييز أن يميّز ما أشكل ، وهو في المعنى تفسير ، والتفسير لا يكون إلّا لمفسّر ، والمفسّر لا بدّ في المعنى أن يكون مقدّما على التفسير ، وإلّا لم يكن تفسيرا له ، وفي تقديم التمييز إخراجه عن ذلك ، فوجب تأخيره ، وقد تمسّكوا « 3 » بأنّه معمول فعل متصرّف ، فجاز تقديمه كسائر معمولات الأفعال المتصرّفة ، وقوّوا ذلك بما أوردوه من قوله « 4 » : أتهجر ليلى بالفراق حبيبها * وما كان نفسا بالفراق تطيب والجواب عمّا أنشدوه من وجهين : أحدهما : أنّ الرواية « وما كان نفسي بالفراق تطيب » ، وليس بالقويّ « 5 » . والثاني : أنّ ذلك على خلاف القياس واستعمال الفصحاء ، ومثل ذلك مردود لا يحتجّ به ، وما ذكروه من المعنى لا ينهض ، لأنّه معارض بمثله في المنع ، وإذا تعارض المعنيان في الإجازة والمنع كان الأصل المنع حتى يثبت الباب عنهم « 6 » سماعا ، فقد تبيّن أنّ ما لم يسمع لا ينهض على « 7 » ما نسب إلى سيبويه « 8 » . قوله : « واعلم أنّ هذه المميّزات عن آخرها أشياء مزالة عن أصلها » ، وبيّن أنّ الأصل أن يكون التمييز موصوفا بما انتصب عنه ، ألا ترى أنّ معنى قولك : « عندي عشرون درهما » عندي دراهم
--> ( 1 ) في د : « الفاعل » . ( 2 ) أي : الوجه الثاني لعدم جواز تقديم التمييز على عامله ، والوجه الأول قوله : « لأنه في المعنى فاعل » . ( 3 ) في د : « تمسك » ، لعله يريد الذين أجازوا تقديم التمييز إذا كان عامله فعلا متصرفا . انظر الإنصاف : 828 . ( 4 ) هو المخبل السعدي ، والبيت في الخصائص : 2 / 384 والمقاصد للعيني : 3 / 235 وورد بلا نسبة في المقتضب : 3 / 37 والإنصاف : 828 . ( 5 ) ردّ ابن جني رواية المازني والمبرد للبيت بنصب « نفسا » برواية الزجاجي وإسماعيل بن نصر وأبي إسحاق « وما كان نفسي بالفراق تطيب » وقال : « فرواية برواية والقياس من بعد حاكم » . الخصائص : 2 / 384 . ( 6 ) في ط : « عندهم » . ( 7 ) سقط من د : « على » ، وهو خطأ . ( 8 ) انظر الكتاب : 3 / 304 ، 538 - 539 .