عثمان بن أبي بكر الدوني ( ابن الحاجب )
283
الإيضاح في شرح المفصل
ثمّ لم يستثن من المؤقّت في كونه يقع ظرفا إلّا قولهم : « ذهبت الشّام » بلا خلاف ، و « دخلت الدّار » باعتبار كلّ مؤقّت ، هذا قول أكثر النحويّين ، وقال بعضهم : بل الدار مفعول به ، والخلاف مبنيّ على أنّ « دخلت » هل هو متعدّ أو غير متعدّ « 1 » ، فمن قال : هو غير متعدّ حكم بأنّ الدار ظرف ، ومن قال : إنّه متعدّ حكم بأنّ الدار مفعول به ، فمن قال : إنّه غير متعدّ قال : لأنّ ضدّه « خرجت » و « خرجت » غير متعدّ باتّفاق ، فكذلك « دخلت » ، ومن قال : إنّه متعدّ قال : المتعدّي هو الذي لا يعقل إلّا بمتعلّق ، وغير المتعدّي هو الذي يعقل بنفسه من غير متعلّق ، وهذا لا يفهم إلّا بمتعلّق ، لأنّك لو قدّرت انتفاء المدخول إليه عن الذّهن لم يفهم معنى الدّخول ، كما أنّك لو قدّرت انتفاء متعلّق الضّرب عن الذّهن لم يفهم معنى الضرب ، بخلاف القيام ، فإنّك لو قدّرت انتفاء الموضع عن الذهن لفهمت معنى القيام ، فليس الموضع باعتبار القيام كالموضع باعتبار الدّخول عند هؤلاء ، إذ يعقل « 2 » معنى القيام مع الذّهول عن الموضع ، ولم يعقل الدّخول مع الذّهول عن الموضع ، فدلّ على أنّه متعدّ . ثمّ قال : « ومنها ما يستعمل اسما وظرفا ، وهو ما جاز أن تعتقب عليه العوامل - كما ذكر « 3 » - ومنها ما لا يستعمل إلّا ظرفا ، ولا يعرف إلّا بسماع » « 4 » . ووجه الحكم عليه بأنّه لا يستعمل إلّا ظرفا هو أنّه كثر في استعمالهم ولم يجئ إلّا منصوبا على الظّرفيّة ، فدلّ ذلك على أنّه لو كان ممّا يقع غير ظرف لوقع في كلام ما غير ظرف ، كما « 5 » أنّ « سقيا » و « رعيا » في المصادر كذلك ، والأمثلة قوله « 6 » : « سرنا ذات مرّة » وشبهه . وقوله : « ومثله عند وسوى وسواء » في الأمكنة إلّا أنّ « عند » يدخل عليها « من » ، فلم تلزم الظرفيّة « 7 » .
--> ( 1 ) ذهب الأخفش والجرمي والمبرد إلى أن « دخل » متعد ، وذهب سيبويه وابن السراج والفارسي إلى أن الاسم بعده منصوب بنزع الخافض ، انظر الكتاب : 1 / 35 والمقتضب : 4 / 337 - 339 ، والأصول في النحو : 1 / 170 - 171 وأمالي ابن الشجري : 1 / 367 - 368 ، وشرح الكافية للرضي : 1 / 186 والمغني : 637 ، وارتشاف الضرب : 2 / 253 . ( 2 ) في د . ط : « عقل » . ( 3 ) سقط من د : « كما ذكر » . ( 4 ) نقل ابن الحاجب كلام الزمخشري بتصرف ، انظر المفصل : 55 . ( 5 ) في ط : « فكما » ، تحريف . ( 6 ) أي الزمخشري ، المفصل : 55 . ( 7 ) انظر المقتضب : 4 / 340 وأمالي ابن الشجري : 2 / 253 .