عثمان بن أبي بكر الدوني ( ابن الحاجب )

201

الإيضاح في شرح المفصل

يكون بغير جدّ ، فإذا قال جدّا فقد ذكر أحد المحتملين ، ثمّ أدخلوا همزة الاستفهام إيذانا بأنّ الأمر ينبغي أن يكون كذلك على سبيل التقرير ، فقدّم المصدر من أجل همزة الاستفهام ، فصار « أجدّك لا تفعل كذا » ، ثمّ لمّا كان معناه تقرير « 1 » أن يكون الأمر على وفق ما أخبر صار في معنى تأكيد كلام المتكلّم ، فيتكلّم به من يقصد إلى التأكيد ، وإن كان ما تقدّم هو الأصل الجاري على قياس لغتهم . ويجوز أن يكون معنى « أجدّك » في مثله أتفعله جدّا منك ؟ على سبيل الإنكار لفعله جدّا ، ثمّ نهاه عنه ، أو أخبر « 2 » عنه بأنّه لا يفعله « 3 » ، فيكون « أجدّك » توكيدا لجملة مقدّرة دلّ سياق الكلام عليها ، وممّا يدلّ على أنّهم « 4 » يقولون : « أفعله جدّا » قول أبي طالب « 5 » : إذن لاتّبعناه على كلّ حالة * من الدّهر جدّا غير قول التّهازل / ومن التوكيد لغيره « فعله ألبتّة » . ثمّ مثّل في النوع الثاني بقولهم : « له عليّ ألف درهم عرفا » ، أي : اعترافا ، ومعلوم أنّ من قال : « له عليّ ألف درهم » فقد اعترف ، ولا يحتمل غيره ، فإذا قال : اعترافا فقد ذكر ما دلّ عليه الأوّل ، وتعيّن له ، وكان « 6 » توكيدا لنفسه على ما تقدّم تفسيره ، ومنه قول الأحوص « 7 » : إنّي لأمنحك الصّدود وإنّني * قسما إليك مع الصّدود لأميل

--> ( 1 ) في ط : « تقدير » ، تحريف . ( 2 ) في ط : « وأخبر » ، تحريف . ( 3 ) في الخزانة : 1 / 262 « يفعل » . ( 4 ) في د : « على الأصل أنهم » . ( 5 ) البيت في ديوانه : 73 وزهرة الأدباء في شرح لامية شيخ البطحاء : 38 ، وشرح سيرة ابن هشام : 1 / 299 والخزانة : 1 / 251 ، وهو من قصيدة استعطف فيها أبو طالب قريشا وأخبرهم أنه غير مسلم الرسول ولا تاركه . ونقل البغدادي في الخزانة : 1 / 262 من كتاب الإيضاح لابن الحاجب الفقرة من قوله : « أصله : لا تفعل كذا » إلى البيت أبي طالب . ( 6 ) في ط : « فكان » . ( 7 ) البيت في شعر الأحوص : 166 ، والكتاب : 1 / 380 ، والخزانة : 1 / 247 ، وورد بلا نسبة في المقتضب : 3 / 233 ، 3 / 267 ، ورواية البيت في شعر الأحوص : « أصبحت أمنحك الصدود . . . البيت » .