جلال الدين السيوطي
72
الأشباه والنظائر في النحو
وهو أنّ الحكم بالأقسام المذكورة إنّما هو بالنظر إلى صور التراكيب اللفظية . ولا يلزم ابن مالك الحكم بتساوي الأمرين في نحو : « قام زيد وعمرو » ، بل الحكم برجحان العطف ، وهو قائل به ، ووجه لزوم ذلك من ظاهر كلامه ، لأنّ العطف قد أمكن بلا ضعف . وهذا هو مقتضى النظر لأنّ العطف هو الأصل وقد أمكن وسلم عن معارض . وأمّا كلام ابن عصفور فالقياس الذي ذكرناه ، يأباه ، فالصور أربع لا خمس . وليعلم أنّ تسمية سيبويه المفعول معه مفعولا به مشكلة ، والناس فيها فريقان : فمنهم من تأوّلها - وهو ابن مالك فقال حين ذكر أنّ الباء تأتي للمصاحبة ، ما نصّه : « ولمساواة هذه الباء ل « مع » قد يعبّر سيبويه عن المفعول معه بالمفعول به » انتهى . ومنهم من أجراها على ظاهرها . والقول عندي : إن بعض الأمثلة يكون الاسم فيه على معنى « مع » ، ويسمّى مفعولا معه ، وبعضها يكون فيه على معنى الباء ويسمّى مفعولا به ، وأنّ سيبويه إنّما أراد ذلك . وها أنا مورد كلامه لتتأمّلوه : قال رحمه اللّه : « وينتصب فيه الاسم لأنّه مفعول معه ومفعول به » « 1 » ثمّ قال : « وذلك قولك : « ما صنعت وأباك » ، و « لو تركت الناقة وفصيلها لرضعها » ، إنما أردت : « ما صنعت مع أبيك » ، و « لو تركت الناقة مع فصيلها » . فالفصيل مفعول معه ، والأب كذلك ، والواو لم تغيّر المعنى ، ولكنّها تعمل في الاسم ما قبلها . ومثل ذلك : ما زلت وزيدا حتّى فعل ، أي : ما زلت بزيد حتّى فعل ، فهو مفعول به و « ما زلت أسير والنيل » « 2 » أي : مع النيل ، و « استوى الماء والخشبة » ، أي : بالخشبة » « 3 » انتهى . فانظر إلى كلامه رحمه اللّه ، حيث قال مفعولا معه ، ومفعولا به ، ثم فسّر بعض الأمثلة ب « مع » وبعضها بالباء . وأنّه حيث قدّر أحد الأمرين يكون ذلك المعنى إمّا متعيّنا ، أو أظهر من المعنى الآخر . فمن تأمّل هذا الكلام بالإنصاف علم أنّ مراده ما ذكرت . ولم يتّسع الوقت للنظر فيما قال شارحو ( الكتاب ) في هذا الموضع ، وهذا مبلغ فهمي في كلامه رحمه اللّه ، واللّه تعالى أعلم . وصلّى اللّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
--> ( 1 ) انظر الكتاب ( 1 / 360 ) . ( 2 ) انظر الكتاب ( 1 / 356 ) . ( 3 ) انظر الكتاب ( 1 / 356 ) .