جلال الدين السيوطي

63

الأشباه والنظائر في النحو

على الجملة الفعلية . وإن ادّعى الثاني ، فلا يجوز في العربيّة أن تقول : عجبت منّي ولا عجبت منك ، لا يكون الفاعل ضميرا متّصلا بالفعل ، والمفعول ضميرا عائدا إلى ما عاد إليه ضمير الفاعل وقد تعدّى إليه الفعل بالجارّ ولهذا زعم أبو الحسن في قوله : [ المتقارب ] « 617 » - هوّن عليك فإنّ الأمور * بكفّ الإله مقاديرها أنّ ( على ) اسم منصوب بهوّن ، لا حرف متعلّق بهوّن ، لأنّ الكاف على التقدير الأوّل مخفوضة بإضافة ( على ) ولا عمل فيها البتّة . وعلى التقدير الثاني منصوبة الموضع بالفعل ، ولا يجوز تعدّي فعل المضمر المتّصل إلى ضميره المتّصل . وينبغي له أن يقول بذلك في مثل قوله تعالى : أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ [ الأحزاب : 37 ] . وفي هذا الموضع مباحث « 1 » ليس هذا موضعها ، لأنّ فيها خروجا عن المقصود . والقول الثالث : لجماعة من النحويّين ، رحمهم اللّه تعالى : أنّ الكاف اسم ( كأنّ ) ، و « لم تكن » الخبر ، والباء ظرفيّة متعلّقة ب ( تكن ) إن قدّرت كان تامّة ، أو بمحذوف هو الخبر إن قدّرت ناقصة . وعلى هذا القول فالتاء في تكن للخطاب لا للتأنيث ، وضميرها للمخاطب لا للدّنيا . وكذا البحث في لم تزل . وعلى القولين الأوّلين الأمر بالعكس التاء للتأنيث والضميران للدنيا والآخرة . وهذا القول خير من القولين قبله ، والمعنى : كأنّك لم تكن في الدنيا ، وكأنّك لم تزل في الآخرة . والقول الرابع : لابن عمرون رحمه اللّه : إنّ الكاف اسم كأنّ ، و ( بالدنيا ) و ( بالآخرة ) خبران ، وكلّ من جملتي « لم تكن » و « لم تزل » في موضع نصب على الحال . وإنّما تمّت الفائدة بهذا الحال ، والفضلات كثيرا ما يتوقف عليها المعنى المراد من الكلام ، كقولهم : « ما زلت بزيد حتّى فعل » ، فإنّ الكلام لا يتمّ إلّا بقولهم : حتى فعل . وقد جاء ذلك في الحال كقوله تعالى : فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ [ المدثر : 49 ] ، ف ( ما ) مبتدأ و ( لهم ) الخبر ، والتقدير : وأيّ شيء استقرّ لهم . و ( معرضين ) حال من الضمير المجرور باللام ، ولا يستغني الكلام عنه ، لأن الاستفهام في المعنى عنه لا عن غيره .

--> ( 617 ) - الشاهد للأعور الشني في الدرر ( 4 / 139 ) ، وشرح أبيات سيبويه ( 1 / 338 ) ، وشرح شواهد المغني ( 1 / 427 ) ، ولبشر بن أبي خازم في العقد الفريد ( 3 / 207 ) ، وليس في ديوانه ، وبلا نسبة في أمالي ابن الحاجب ( 2 / 679 ) ، والجنى الداني ( ص 471 ) ، وخزانة الأدب ( 10 / 148 ) ، ومغني اللبيب ( 1 / 146 ) ، والمقتضب ( 4 / 196 ) ، وهمع الهوامع ( 2 / 29 ) . ( 1 ) انظر هذه المباحث في المغني ( ص 156 ) ، والخزانة ( 4 / 254 ) .