جلال الدين السيوطي

64

الأشباه والنظائر في النحو

وخطر لي وجه ظننت أنّه أجود من هذه الأقوال . وهو أنّ الكاف اسم كأنّ ، و « لم تكن » الخبر ، و ( الدنيا ) في موضع الحال من اسم كأن ، والعامل في الحال العامل في صاحبها ، وهو ( كأنّ ) ، كما عملت في « رطبا ويابسا » من قوله : [ الطويل ] « 618 » - كأنّ قلوب الطّير رطبا ويابسا * لدى وكرها العنّاب والحشف البالي المعنى : كأنّك في حالة كونك في الدّنيا لم تكن - أي بها - وكأنّك في حالة كونك في الآخرة لم تزل - أي بها - . وهذا عكس قول ابن عمرون . فإن قلت : يدلّ على صحّة ما قاله من أنّ الجملة « لم تكن » و « لم تزل » حال لا خبر ، أنّه قد روي : « كأنّك بالدّنيا ولم تكن وبالآخرة ولم تزل » والجملة الحاليّة تقترن بالواو ، بخلاف الجملة الخبريّة ، ويقال : « كأنّك بالشمس وقد طلعت » ، قلت : إن سلم ثبوت الرّواية فالواو زائدة ، كما قال الكوفيّون في قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ [ الحج : 25 ] : يصدّون هو الخبر ، والواو زائدة . وكما قال أبو الحسن في قوله تعالى : فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى [ هود : 74 ] : إنّ ( وجاءته البشرى ) جواب ( لمّا ) والواو زائدة . وفي قوله تعالى : حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها [ الزمر : 73 ] ، إنّ ( فتحت ) جواب ( إذا ) والواو زائدة ، إلى غير ذلك . وأمّا « كأنّك بالشمس وقد طلعت » فلا نسلّم ثبوته . وهو مشكل على قولي وقوله ، إذ لا يصحّ على قوله أن يكون ( بالشمس ) خبرا عن اسم كأنّ ، والتقدير : كأنّك مستقرّ بالشمس ، ولا يصحّ على قولي أن تكون « قد طلعت » خبرا عن اسم كأنّ ، لعدم الضّمير . فإذا كان لا يخرّج على قولي ولا على قوله فما وجه إيراده على ما قلته ؟ فإن قلت : قد عدلت عمّا قاله من أن الظرف خبر والجملة حال إلى عكس ذلك ، قلت لوجهين : أحدهما : أنّ على ما قلته يكون الخبر محطّ الفائدة ، وعلى ما قاله : يكون محطّ الفائدة الحال كما تقدّم شرحه ، ولا شكّ أنّ كون الخبر محطّ الفائدة أولى . والثاني : أنّ العرب قالت : « كأنّك بالشّتاء مقبل وكأنّك بالفرج آت » ، فلفظوا بالمفرد الحالّ محلّ الجملة مرفوعا لا منصوبا .

--> ( 618 ) - الشاهد لامرئ القيس في ديوانه ( ص 38 ) ، وشرح التصريح ( 1 / 382 ) ، وشرح شواهد المغني ( 1 / 342 ) ، والصاحبي في فقه اللغة ( ص 244 ) ، ولسان العرب ( أدب ) ، والمقاصد النحوية ( 3 / 216 ) ، والمنصف ( 2 / 117 ) ، وتاج العروس ( بال ) ، وبلا نسبة في أوضح المسالك ( 2 / 329 ) ، ومغني اللبيب ( 1 / 218 ) .