جلال الدين السيوطي
62
الأشباه والنظائر في النحو
أحدها : للإمام أبي عليّ الفارسيّ - رحمه اللّه - زعم أن الأصل : كأنّ الدّنيا لم تكن والآخرة لم تزل ، ثمّ جيء بالكاف حرفا لمجرّد الخطاب ، لا موضع لها من الإعراب ، كما أنّها مع اسم الإشارة كذلك ، وكذلك هي في قولهم « أبصرك زيدا » أي : أبصر زيدا ، والكاف حرف لا مفعول لأنّ ( أبصر ) إنّما يتعدّى إلى واحد . وجيء بالباء زائدة في اسم كأنّ ، كما زيدت في أصل المبتدأ في قولهم : « بحسبك درهم » ، وقولهم : « خرجت فإذا بزيد » . وهذا القول اشتمل على أمرين مخالفين للظاهر ، وهما إخراج الكاف عن الاسميّة إلى الحرفيّة ، وإخراج الباء عن التّعدية إلى الزّيادة . والقول الثاني : لأبي الحسن بن عصفور - وهو قول أفقه من قول الفارسيّ - : زعم أنّ الكاف حرف خطاب اتّصلت ب ( كأنّ ) فأبطلت إعمالها ، وأزالت اختصاصها ، ولهذا دخلت على الجملة الفعليّة . وباء ( بالدّنيا ) و ( بالآخرة ) زائدة ، كما زيدت في المبتدأ الذي لم تدخل عليه ( كأنّ ) ، وقد مثّلناه . والذي حمله على زعمه زوال إعمالها ، أنّه لم يثبت زيادة الباء في اسم ( كأنّ ) ، وثبتت زيادتها في المبتدأ . وقد اشتمل قوله على أربعة أمور : منها : الأمران اللذان استلزمهما قول الفارسي ، وقد شرحناهما . ومنها : دعواه إلغاء ( كأنّ ) . ولم يثبت ذلك إلّا إذا اقترنت ب ( ما ) الزائدة ، كما في قوله تعالى : كَأَنَّما يُساقُونَ [ الأنفال : 6 ] ، ودعواه أنّ الياء حرف تكلّم كما أنّ الكاف حرف خطاب ، وهو لم يصرّح بهذا ولكنّه يلزمه لأنّه لا يمكنه أن يدّعي أنّه اسمها ، لأنّه قد ادّعى إلغاءها . ولا يمكنه أن يدّعي أنّه مبتدأ لأمرين : أحدهما : أنّ الياء ليست من ضمائر الرفع وإنّما هي من ضمائر النصب والجرّ ، كما في قولك : أكرمني غلامي . والثاني : أنها لو كانت مبتدأ لكان ما بعدها خبرا ، ولو قيل مكان « كأنّي بك تفعل » : أنا تفعل ، لم ترتبط الجملة بالضمير ، وقد استقرّ أنّ الجملة المخبر بها لا بدّ لها من رابط يربطها . ومنها : أنّه صرّح بأنّها قد دخلت على الجملة الفعلية في قولهم : « كأنّي بك تفعل » . فلا يخلو : إمّا أن يدّعي أنّ الباء في بك زائدة والكاف مبتدأ والأصل « أنت تفعل » فلمّا دخلت الباء على الضمير المرفوع ، انقلبت ضمير جرّ ، أو يدّعي أنّ الباء متعلّقة ب ( تفعل ) . فإن ادّعى الأوّل فالجملة اسميّة لا فعلية . وبطل قوله : إنّها دخلت