جلال الدين السيوطي

61

الأشباه والنظائر في النحو

الكلام في قول القائل : ( كأنك بالدنيا لم تكن وبالآخرة لم تزل ) ومن كلامه أيضا - رحمه اللّه تعالى - على قول القائل : « كأنّك بالدّنيا لم تكن وبالآخرة لم تزل » . بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده . اختلف في « كأنّك بالدّنيا لم تكن وبالآخرة لم تزل » في مواضع : أحدها : في تعيين قائله ، والثاني : في معنى ( كأنّ ) . والثالث : في توجيه الإعراب . فأمّا قائله : فاختلف فيه على قولين : أحدهما : أنّه النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم . والثاني : أنّه الحسن البصريّ رحمه اللّه ، وقد جزم بهذا جماعة فلم يذكروا غيره منهم الشيخ أبو عبد اللّه محمد بن محمد بن عمرون الحلبي في ( شرح المفصّل ) وأبو حيّان المغربيّ في ( شرح التسهيل ) . وأمّا معنى ( كأنّ ) : فاختلف فيه أيضا على قولين : أحدهما للكوفيّين : زعموا أنّها حرف تقريب ، وليس فيها معنى التشبيه ، إذ المعنى على تقريب زوال الدنيا ، وتقريب وجود الآخرة . وجعلوا من ذلك قولهم : « كأنّك بالشتاء مقبل ، وكأنّك بالفرج آت » . وهذا تستعمله الناس في محاوراتهم ، ويقصدونه كثيرا ، يقولون : « كأنّك بفلان قد جاء » . والثاني للبصريّين : زعموا أنّها حرف تشبيه ، مثلها في قولك : كأنّ زيدا أسد . ولم يثبتوا مجيئها للتّقريب أصلا ، والمعنى : كأنّ حالتك في الدنيا حال من لم يكن فيها ، وكأنّ حالك في الآخرة حال من لم يزل بها . فالمشبّه والمشبّه به الحالتان لا الشخص والفعل الذي هو الجنس . وإيضاح هذا : أنّ الدّنيا لمّا كانت إلى اضمحلال وزوال ، كان وجود الشّخص بها كلا وجود ، وأنّ الآخرة لمّا كانت إلى بقاء ودوام ، كان الشخص كأنّه لم يزل فيها . لا وشكّ أنّ المعنى المشهور ل ( كأن ) هو التشبيه ، فمهما أمكن الحمل عليه لا ينبغي العدول عنه ، وقد أمكن على وجه ظاهر فانبغى المصير إليه . وأمّا توجيه الإعراب ، وهو الذي يسأل عنه ، فاضطربت أقوال النحويين فيه اضطرابا كثيرا . والذي يحضرني الآن من ذلك أقوال :