جلال الدين السيوطي
26
الأشباه والنظائر في النحو
للعبد ، لأنّه إذا كان صفة فإن عاد الضمير إلى ( ما ) تكون من زائدة ، كما هو مذهب الأخفش في زيادة ( من ) إذ المعنى حينئذ : فأتوا بسورة مثل القرآن في حسن النظم واستقامة المعنى وفخامة الألفاظ وجزالة التركيب ، وليس النظر إلى أن يكون مثل بعض القرآن أو كلّه ، بل لا وجه لهذا الاعتبار ، يؤيده قوله تعالى في موضع آخر : فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ [ يونس : 38 ] ، وقال تعالى في موضع آخر : فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ [ هود : 13 ] ، فلا تكون من للتبعيض ولا ابتدائية لأنه ليس المقصود أن يكون مبدأ الإتيان هذا أو ذاك ، وإن عاد الضمير على عبدنا تكون من ابتدائية ، وهو ظاهر ، وأمّا إذا كان « من مثله » متعلقا ب ( فأتوا ) فلا يجوز أن تكون ( من ) زائدة ، لأنّ حرف الجرّ إذا كان زائدا لا يكون متعلّقا بشيء ، فتعيّن أن يكون المعنى ، فأتوا بسورة من مثل عبدنا ، وتكون « من » ابتدائية ، ثم قال : أو نقول : إنّما قال صاحب الكشاف : إنّ « من مثله » إن كان صفة سورة يحتمل عود الضمير إلى ما وإلى عبدنا ، لصحّة أن يقال : سورة كائنة من مثل ما نزّلنا ، بأن تكون السورة بعض مثل ما نزّل ، أو تكون مثل ما نزّل مبتدأ نزوله ، ولصحّة أن يقال : سورة كائنة من مثل عبدنا بأن يكون قد قاله ، ويكون تركيبه وكلامه ، وأمّا إن كان « من مثله » متعلّقا ب ( فأتوا ) فيتعيّن أن يكون عائدا إلى عبدنا ، لاستقامة أن يقال : فأتوا من مثل عبدنا أي : من عبد مثله ، بأن يكون كلامه ، ولا يستقيم أن يقال : فأتوا من عبد مثل ما نزّلنا أو من جهته ، إذ لا يستقيم أن يقال : أتى هذا الكلام من فلان ، إلّا إذا كان ذلك الفلان ممّن يمكن أن يكون هذا كلامه ، ويكون هذا الكلام منقولا منه مرويّا عنه ، وهذا ظاهر ، ولهذا ما بسط الزمخشري الكلام فيه ، بل اقتصر على ذكره ، واللّه أعلم . وأمّا قولك : « ثامنا : إنّ السؤال لم يخصّ به مخاطب دون مخاطب » فهذا كلام المجانين ، لأنّك بعثت هذا السؤال على يد الشيخ علاء الدين الباورديّ إلى خدمته وطلبت منه الجواب ، لكن لمّا اشتبه عليك القول أخذت تبدي النّزق والعول ، فتارة تمنع وتخاله صوابا ، وأخرى تردّ وتظنّه جوابا ، أما تستحي من الفضلاء الذين كانوا مطّلعين على هذا الحال ؟ ولقد صدق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حيث قال : « إنّ ممّا أدرك النّاس من كلام النّبوّة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت » « 1 » ، ثم إنّ الذي يقضى منه التعجب حالك في قلّة الإنصاف ، وفرط الجور والاعتساف ، وذلك أنّ هذا ما هو أوّل سؤال سألته عنه ، بل ما زلت منذ تولّيت القضاء كلّا عليه حيث صرت ، غير منفكّ
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الأدب ، باب : إذا لم تستح فاصنع ما شئت ، وابن ماجة في سننه ، كتاب الزهد رقم ( 4183 ) ، وأبو داود في سننه كتاب الأدب رقم ( 4797 ) .