جلال الدين السيوطي
174
الأشباه والنظائر في النحو
والدّنف والقمن والصّوم والفطر وما شاكل ذلك ، فإنّه جرى عند العرب كالمصدر لا يثنّى ولا يجمع في اللّغة الفصيحة ، قال اللّه تعالى : هؤُلاءِ ضَيْفِي [ الحجر : 68 ] وقد يقال : أضياف ، وضيوف ، وامرأة ضيفة وضيف . وقال ذو الرّمّة : [ البسيط ] « 674 » - تجلو البوارق عن مجر مّز لهق * كأنّه متقبّي يلمق عزب والعزب هاهنا المفرد . وقد قالت العرب : امرأة محمق ومحمقة ، وعاشق وعاشقة ، وغلام وغلامة ورجل ورجلة ، وشيخ وشيخة ، وكهلّ وكهلة وشبه هذا لا يحصى كثرة ، فلا أدري لم عاب عزبا وعزبة . وقد حكاه أبو عبيد في ( المصنّف ) ، كما حكاه ثعلب . وأمّا قوله : إن الاختيار ( كسرى ) بالفتح ، لأنّ النّسب إليه ( كسرويّ ) فخطأ عظيم ، لأنّ ( كسرى ) ليس عربيّا ، ولم يكن في الأصل ( كسرى ) ولا ( كسرى ) ، إنّما هو بالفارسيّة : ( خسرو ) بضمّ الخاء ، وليس في كلام العرب اسم في آخره واو قبلها ضمّة ، فعرّبته العرب إلى لفظ آخر ، فإن فتحت أو كسرت فقد أصبت ، والكسر أجود ، لأنّ ( فعلى ) يشبه الاسم المفرد ، مثل الشّعرى ، وذكرى ، فلمّا كان ( كسرى ) رجلا واحدا و ( الشّعرى ) نجما واحدا ردّه إلى ألفاظهم ، ولو قالوا : ( كسرى ) أشبه الجمع مثل ( قتلى ) و ( جرحى ) ، فلمّا نسب إليه انفتح فقالوا : ( كسرويّ ) لأنّ الكسر مع ياء النّسب مستثقل ، ألا ترى أنّهم يقولون في : ( تغلب ) ( تغلبيّ ) . وليس يشبه ( كسرويّ ) النّسب إلى ( درهم ) و ( معزى ) ، لأنّ ( درهما ) ليس فيه لغتان الكسر والفتح ، وكذلك ( معزى ) لا يقال : ( درهم ) ولا ( معزى ) فيختار في النّسب الفتح لخفّته ، وهو واضح بحمد اللّه . وحدّثنا ابن دريد عن أبي حاتم - وكان من أشدّ الناس تعصّبا على الكوفيّين - في كتاب ( ما يلحن فيه العامّة ) أنّ ( كسرى ) بالكسر أفصح من الفتح ، وكذلك ذكر أبو عبيد أنّ الكسر أفصح . وأمّا قوله : وعدته الشّرّ فإذا لم تذكر الشّرّ قلت أوعدته بكذا ، وزعم أنّه نقض لما أصّل فقد غلط لأنّ ثعلبا إنّما قال : وعدت الرّجل خيرا وشرّا ، لأنّ اللّه تعالى قال : النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا [ الحج : 72 ] ، فهذا في الشّرّ . وقال اللّه عزّ وجلّ : وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ [ الأنفال : 7 ] ، فهذا في الخير ، فإذا لم تذكر الشّرّ قلت : ( أوعدته ) على الإطلاق ، و ( وعدته ) على الإطلاق في الخير ، فإذا قرنتهما
--> ( 674 ) - الشاهد لذي الرمة في ديوانه ( ص 87 ) ، ولسان العرب ( يلمق ) ، و ( قبا ) ، وجمهرة أشعار العرب ( ص 956 ) ، وتاج العروس ( يلمق ) و ( قبا ) ، وبلا نسبة في المخصص ( 14 / 41 ) .