جلال الدين السيوطي

165

الأشباه والنظائر في النحو

انتهى . فنقل الجرّ عن النّحويّين ، ونقل إجراء ( كذا ) مجرى العدد الصريح في حالة نصب التمييز عن معظم النّحويّين . الخامس : أنّ الأمر كما قال الكوفيّون في « كذا كذا درهما » وفي « كذا درهم » خاصّة . قاله الأستاذ أبو بكر بن طاهر . فهذا ما بلغنا من الأقوال . فأمّا قول ابن مالك فكان الذي دعاه إليه أنّ سيبويه شبّهها ب ( كم ) الاستفهامية ، وهي بمنزلة الأحد عشر وأخواتها وليس هذا بشيء ، لأنّها إنما شبّهت بها في نصب التمييز لا في المعنى ، ألا ترى أنها ليست للاستفهام كما أن ( كم ) للاستفهام ! ثمّ إنّ ( كم ) نفسها بمنزلة الأحد عشر ، ولا تختصّ بالعدد الكثير بدليل أنّك تقول : « كم عبدا ملكت » ، فيصحّ بالواحد فما فوقه . وأمّا قول سيبويه والمحقّقين فوجهه أنّها كلمة مبهمة كما أنّ ( كم ) كلمة مبهمة فكما أنّك لو قلت : كم كم عبدا ملكت أو : « كم وكم عبدا ملكت » أو غير ذلك لم تقتض مساواة ما شابهته من العدد الصّريح ، فكذا ( كذا ) . وأمّا قول الكوفيّين ومن وافقهم فمردود من جهات : أحدها : أنّه قول بلا دليل ، وإنّما هو مجرّد قياس في اللّغة . وذكر ابن إياز أنّ البستيّ ذكر في تعليقه أنّ أبا الفتح سأل أبا عليّ عن قولهم : إنّ « كذا كذا درهما » يحمل على : « أحد عشر درهما » ، و « كذا وكذا درهما » يحمل على أحد وعشرين ، و « كذا درهم » يحمل على مائة ، قال : « كذا وكذا وكذا درهما » يحمل على مائة وأحد وعشرين درهما فقال أبو عليّ : هذا من استخراج الفقهاء وليس هو في النّحو ، إنّما ( كذا ) بمنزلة عدد منوّن والجرّ خطأ . الثاني : أنّ الناس اختلفوا فقال ابن خروف : إن العرب لم يقولوا : « كذا كذا درهما » ، ولا « كذا درهما » ولا « كذا دراهم » ، لا بالإضافة ولا بالنّصب . وعلى هذا فالحكم على هذه الألفاظ بما ذكروا باطل لأنه حكم على ما لا يتكلّم به فأين معناه ؟ . وقال ابن مالك في ( التسهيل ) : « وقلّ ورود ( كذا ) مفردا أو مكرّرا بلا واو » « 1 » ، فأثبت ورود هذين من خلافهم . والمثبت مقدّم على النافي ، ولكن لمّا قلّ استعمال هذين مع أنّ الحاجة التي دعت إلى الكناية عن العدد المعطوف والمعطوف عليه داعية إلى الكناية عن غيره من الأعداد دلّ على أن قولك « كذا وكذا » لا يختصّ بالعدد المعطوف والمعطوف عليه .

--> ( 1 ) انظر التسهيل ( ص 125 ) .