جلال الدين السيوطي

249

الأشباه والنظائر في النحو

كافي الكفاة ) ، فكنّا إذا قرأنا أوراقا منه تجارينا في فنون الأدب ، واجتنينا من فوائده ثمار الألباب ، ورتعنا في رياض ألفاظه ومعانيه ، والتقطنا الدّرّ المنثور من سقاط فيه ، فأجرى يوما بعض الحاضرين ذكر الأصمعي وأسرف في الثّناء عليه ، وفضّله على أعيان العلماء في أيّامه ، فرأيت - رحمه اللّه - كالمنكر لما كان يورده ، وكان فيما ذكر من محاسنه ونشر من فضائله أن قال : من ذا الذي يجسر أن يخطّئ الفحول من الشعراء غيره ؟ فقال أبو علي : وما الذي ردّ عليهم ؟ فقال الرجل : أنكر على ذي الرّمّة مع إحاطته بلغة العرب ومعانيها ، وفضل معرفته باغراضها ومراميها ، وأنّه سلك نهج الأوائل في وصف المفاوز إذا لعب السراب فيها ، ورقص الآل في نواحيها ، ونعت الحرباء وقد سنح على جذله ، والظّليم وكيف ينفر من ظلّه ، وذكر الرّكب وقد مالت طلاهم من غلبة المنام حتى كأنّهم صرعتهم كؤوس المدام ، فطبّق مفصل الإصابة في كلّ باب ، وساوى الصّدر الأوّل من أرباب الفصاحة ، وجارى القروم البزّل من أصحاب البلاغة ، فقال له أبو علي : وما الذي أنكر على ذي الرّمّة ؟ فقال : قوله : [ الطويل ] « 561 » - وقفنا فقلنا إيه عن أمّ سالم * [ وكيف بتكليم الديار البلاقع ] لأنه كان يجب أن ينوّنه ، فقال : أمّا هذا فالأصمعي مخطئ فيه وذو الرّمّة مصيب ، والعجب أنّ يعقوب بن السّكّيت قد وقع عليه هذا السّهو في بعض ما أنشده ، فقلت : إن رأى الشيخ أن يصدع لنا بجليّة هذا الخطأ تفضّل به ، فأملى علينا : أنشد ابن السكيت لأعرابيّ من بني أسد : [ الوافر ] « 562 » - وقائلة أسيت فقلت : جير * أسيّ إنّني من ذاك إنّه أصابهم الحمى وهم عواف * وكنّ عليهم نحسا لعنّه فجئت قبورهم بدأ ولمّا * فناديت القبور ولم يجبنه وكيف تجيب أصداء وهام * وأبدان بدرن وما نخرنه

--> ( 561 ) - الشاهد لذي الرمة في ديوانه ( ص 778 ) ، وإصلاح المنطق ( ص 291 ) . وتذكرة النحاة ( ص 658 ) ، وخزانة الأدب ( 6 / 208 ) ، ورصف المباني ( ص 344 ) ، وسرّ صناعة الإعراب ( 2 / 494 ) ، وشرح المفصّل ( 4 / 31 ) ، ولسان العرب ( أيه ) ، وتاج العروس ( أيه ) ، وما ينصرف وما لا ينصرف ( ص 109 ) ، ومجالس ثعلب ( ص 275 ) ، وكتاب العين ( 4 / 104 ) ، وبلا نسبة في خزانة الأدب ( 6 / 237 ) ، والمقتضب ( 3 / 179 ) ، والمخصّص ( 14 / 81 ) . ( 562 ) - البيت الأول بلا نسبة في اللسان ( أس ) ، والجنى الداني ( ص 435 ) ، وهمع الهوامع ( 2 / 72 ) ، والدرر ( 2 / 89 ) ، والبيت الثالث بلا نسبة في المغني ( ص 310 ) ، والأبيات الأربعة في الدرر ( 2 / 52 ) ، بلا نسبة .