جلال الدين السيوطي

250

الأشباه والنظائر في النحو

قال يعقوب : قوله : جير أي : حقّا ، وهي مخفوضة غير منونة فاحتاج إلى التنوين ، قال أبو علي : هذا سهو منه لأنّ هذا يجري منه مجرى الأصوات ، وباب الأصوات كلّها والمبنيّات بأسرها لا ينوّن إلّا ما خصّ منها بعلة الفرقان فيها بين نكرتها ومعرفتها ، فما كان منها معرفة جاء بغير تنوين ، فإذا نكّرته نوّنته من ذلك أنّك تقول في الأمر : صه ومه تريد السكوت فإذا نكّرت قلت : صه ومه تريد سكوتا ، وكذلك قال الغراب : غاق ، أي : الصّوت المعروف من صوته ، وقال الغراب : غاق أي صوتا ، وكذلك : إيه يا رجل ، تريد الحديث ، وإيه تريد حديثا ، وزعم الأصمعي أنّ ذا الرّمّة أخطأ في قوله : [ الطويل ] وقفنا فقلنا إيه عن أمّ سالم * . . . وكان يجب أن ينوّنه ويقول : إيه ، وهذا من أوابد الأصمعي التي يقدم عليها من غير علم ، فقوله : جير بغير تنوين في موضع قوله : فقلت الحقّ ، وتجعله نكرة في موضع آخر فتنوّنه ، فيكون معناه : قلت حقا ، ولا مدخل للضرورة في ذلك ، إنما التنوين للمعنى المذكور ، وتنوين هذا الشاعر على هذا التقدير ، وباللّه التوفيق . قال يعقوب : قوله أصابهم الحمى يريد : الحمام ، وقوله : بدرن أي : طعنّ في بوادرهم بالموت ، والبادرة : النحر ، وقوله : بدأ أي : سيّدا ، ولمّا أي : لم أكن سيّدا إلا حين ماتوا فإني سدت بعدهم . قال ياقوت « 1 » : حدّثني شيخنا الإمام علم الدين القاسم بن أحمد الأندلسي ، قال : حدثني شيخنا تاج الدين أبو اليمن زيد بن الحسن الكنديّ قال : بلغني أنّ أبا سعيد السّيرافيّ دخل على ابن دريد وهوو يقول : أوّل من أقوى في الشعر أبونا آدم عليه السّلام في قوله : [ الوافر ] « 563 » - تغيّرت البلاد ومن عليها * فوجه الأرض مغبر قبيح تغيّر كلّ ذي طعم ولون * وقلّ بشاشة الوجه المليح فقال أبو سعيد : يمكن إنشاده على وجه لا يكون فيه إقواء ، فقال : وكيف ذلك ؟

--> ( 1 ) انظر معجم البلدان ( 8 / 186 ) . ( 563 ) - البيتان منسوبان إلى سيدنا آدم عليه السّلام في خزانة الأدب ( 11 / 377 ) ، والدرر ( 6 / 214 ) ، وبلا نسبة في الإنصاف ( 2 / 662 ) ، وهمع الهوامع ( 2 / 156 ) .