جلال الدين السيوطي

213

الأشباه والنظائر في النحو

وهذا مما يشهد بفساد ما ذهبت إليه ، وأيضا فإنّ الركوب لم يجئ في كلام العرب بمعنى الجعل كما جاء الترك في مثل الشاعر : [ الكامل ] « 529 » - وتركتنا لحما على وضم * لو كنت تستبقي على اللّحم فعدّت « تركت » لمّا حمله على معنى « جعلت » ، فأمّا الركوب بمعنى الجعل فليس بموجود في شيء من كلام العرب . المسألة السابعة : قال أبو نزار : وهذه المسألة سئلت عنها بغزنة لمّا دخلتها ، فبيّنت مشكلها للجماعة وأوضحتها ، وذلك أني سئلت عن قول الراجز : [ الرجز ] « 530 » - وقوّل إلّا ده فلا ده فذكرت أنّ هذه من باب كلمات نابت عن الفعل فعملت عمله ، وبعضها في الأمر وبعضها في الخبر ، نحو : صه ومه ، وبله زيدا ، وهيهات بمعنى بعد ، و « ده » في كلام العرب بمعنى صحّ أو يصحّ ، ألا ترى أنّ قوما جاؤوا إلى سطح الكاهن وخبؤوا له خبيئة فسألوه فلم يصرّح فقالوا : لا ده ، أي : لا يصحّ ما قلت ، فقال لهم : « إلّا ده فلا ده ، حبة برّ في إحليل مهر » فأصاب ، فكأنه قال : إلّا يصحّ فلا يصحّ أبدا ، لكنني أقول في المستقبل ما تشهد له الصحة ، وكان كما قال ، إلّا أنّ التنوين الداخل على هذه الكلمة ليس هو على نحو التنوين الداخل على رجل وفرس ، ولكنه تنوين دخل على نوع من تنكير . قال الرادّ عليه : قولك : « ده اسم من أسماء الفعل » ليس بصحيح على مذهب الجماعة ومن له حذق بهذه الصناعة ، والصحيح في هذه الكلمة أنّها اسم فاعل من دهي يدهى فهو ده وداه ، والمصدر منه الدّهاء والدّهي فيكون المراد بده أنّه فطن ، لأنّ الدّهاء الفطنة وجودة الرأي ، فكأنه قال : إلّا أكن دهيّا أي : فطنا فلا أدهى أبدا ، هذا أصله ، ثم أجريت هذه اللفظة مثلا إلى أن صارت يعبّر بها عن كل فعل تغتنم الفرصة في فعله ، مثال ذلك أن يقول الإنسان لصاحبه وقد أمكنت الفرصة في طلب ثأر : إلّا ده فلا ده أيّ : تطلب ثأرك الآن فلا تطلبه أبدا ، وهذا الرجز لرؤبة ، وقبله : [ الرجز ]

--> ( 529 ) - الشاهد لحارث بن وعلة الذهلي في شرح الحماسة للمرزوقي ( ص 206 ) . ( 530 ) - الشاهد لرؤبة بن العجاج في ديوانه ( ص 166 ) ، ومجاز القرآن ( 1 / 106 ) ، وشرح المفصّل ( 4 / 81 ) .