علي بن مؤمن ابن عصفور الحضرمي الاشبيلي
476
شرح جمل الزجاجي
أنّ الإعراب أصل في الأسماء والأفعال . استدل أهل البصرة على أنّ الإعراب أصل في الأسماء بأنّه قد افتقر إليه فيها بدليل أنّك إذا قلت : " ضرب زيد عمرا " ، فلو لا الإعراب لالتبس الفاعل بالمفعول ، وكذلك إذا قلت : " ما أحسن زيد " ، لولا الإعراب لم تدر : هل تعجبت ، أو نفيت ، أو استفهمت " 1 " ، والفعل ليس كذلك ، فلما كان هذا في بعض الأسماء حمل سائرها عليها . وأما الفعل فلم يفتقر إليه . واستدل أهل الكوفة على أنّ الإعراب أصل فيهما بنحو ما استدلّ به أهل البصرة على أنّه أصل في الأسماء من أنّه قد افتقر إليه في الأفعال ، ألا ترى أنّك إذا قلت : " لا تأكل السمك وتشرب اللبن " ، وحذفت الإعراب لم تدر هل نهيت عنهما على كل حال ، أو عن الجمع بينهما ، أو عن أحدهما وأبحت الآخر " 2 " . وكذلك أيضا قالوا : إذا قلت : " لتضرب زيدا " ، وتسقط الإعراب لم تدر هل اللام لام " كي " أم لام الأمر " 3 " ، وكذلك إذا قلت : " لا تضرب زيدا " وتسقط الإعراب لم تدر هل " لا " للنهي أو للنفي " 4 " . وهذا الذي استدلّ به أهل الكوفة لا حجة فيه . أما استدلالهم ب " لا تأكل السمك وتشرب اللبن " ، فلو سقط الإعراب لظهر الناصب ، وهو " أن " ، والجازم وهو لام الأمر " 5 " ، لأنّ النصب في الثاني بإضمار " أن " ، والجزم على العطف ، والرفع على القطع ، فكانت هذه المعاني لا تلتبس . وكذلك أيضا استدلالهم ب " لتضرب زيدا " ، لا حجّة فيه لأنّ الأمر لا يقع إلّا صدرا ولام " كي " لا تقع إلّا بعد تقدّم كلام ، تقول : " جئت لتضرب " . وكذلك أيضا استدلالهم ب " لا تضرب زيدا " ، لأنّا لو حذفنا الإعراب لم يلتبس ، لأنّ للنفي حروفا أخر غير " لا " مثل " لن " و " لم " و " ما " ، فكنّا نأتي بواحد من هذه الحروف . والدليل أيضا على أنّ الإعراب فرع في الأفعال أصل في الأسماء أنها كلها معربة إلّا ما
--> ( 1 ) تقول في التعجب : " ما أحسن زيدا " ! وفي النفي : " ما أحسن زيد " ، وفي الاستفهام : " ما أحسن زيد " ؟ فتفرّق بين التعجب والنفي والاستفهام بالإعراب . ( 2 ) تقول في النهي عنهما في كل حال : " لا تأكل السمك وتشرب اللبن " ، وتقول في النهي عن الجمع بينهما : " لا تأكل السمك وتشرب اللبن " ، وتقول في النهي عن أكل السمك وإباحة شرب اللبن : " لا تأكل السمك وتشرب اللبن " . ( 3 ) تقول إذا كانت اللام لام " كي " : " لتضرب زيدا " ، وإذا كانت لام الأمر : " لتضرب زيدا " . ( 4 ) تقول في النهي : " لا تضرب زيدا " ، وفي النفي : " لا تضرب زيدا " . ( 5 ) كذا ، والصواب " لا " الناهية .