علي بن مؤمن ابن عصفور الحضرمي الاشبيلي

258

شرح جمل الزجاجي

والمعنى الثاني : ما يكون إتيان فحديث ، أي : ما يكون معه حديث إنما يأتي ولا يحدّث ، فقوله : ما يكون إتيان فحديث ، اقتضى هذين المعنيين ، فكان النصب يعطيهما . وأنت إذا قلت : " لم يقم زيد فعمرو " ، احتمل معنيين : أحدهما لم يقم هذا ولا هذا ، والآخر : لم يقوما إنّما قام أحدهما ، فالنفي اقتضى هذين المعنيين في النصب بخلاف ما تقدّم ، لأنّه لم يقتض النصب إلّا معنى واحدا . والرفع إما بالعطف أو بالاستئناف . هذا إن كان الأول مرفوعا فإن كان منصوبا حملت عليه منصوبا مثله ، وكذلك إن كان مجزوما جزمت ما يحمل عليه ، نحو : " لم تأتنا فتحدّثنا ولن تأتينا فتحدّثنا " . فهذا جملة ما في الفاء . واعلم أنّه لو كان لفظ ما قبلها نفيا والمعنى على الإيجاب ، فإنّ النصب لا يجوز ، فمن ذلك : " ما زال زيد قائما فتكرمه " ، لأنّ المعنى ثبت على القيام ، فإنّما يكون ما بعدها مرفوعا على جهة الاستئناف . ومما خالفنا فيه بعض الكوفيين " لعلّ " إذا كانت استفهاما فأجازوا النصب بعدها ، وذلك : " لعلك تحجّ فأحجّ معك " ، أي : هل تحجّ فأحجّ معك ؟ فكما يكون النصب في الاستفهام ، فكذلك يكون هنا . ومما خالفونا فيه " كأنّ " إذا خرجت عن التشبيه ، وأريد بها خلاف معنى التشبيه ، وذلك : " كأنّي بزيد يأتي فنكرمه " ، فهذا معناه : ما هو إلّا يأتي فنكرمه ، وهذا لا يحفظه أهل البصرة ، فإن ثبت قلنا به . ومما خالفونا فيه أيضا " إنّما " ، وذلك : إنّما هي ضربة من الأسد فتحطّمه ، والنصب عندنا لا يجوز ، لأنّ الكلام موجب . * * * واعلم أنّ الفاء إذا دخلت على الفعل ، وكان فيه ضمير يعود على ما قبلها ، فلا يخلو أن يرجع الضمير إلى ما نفي الفعل في حقه ، أو إلى ما أوجب في حقه . فإن رجع إلى ما نفي عنه الفعل نصبته ، وإلّا رفعت ، مثاله : " ما جاءني أحد إلّا زيد فأكرمه " ، وإن جعلت الهاء لأحد نصبته ، كأنه قال : " ما جاءني أحد فأكرمه " .