علي بن مؤمن ابن عصفور الحضرمي الاشبيلي
152
شرح جمل الزجاجي
استدل به الأخفش من أنّهما لو كانا اسمين ظرفين لثبات الاسمية لهما إذا ارتفع ما بعدهما ، لوجب إذا نفي الفعل أو أوجب أن ينفى عنهما خاصة ، لأنّ الظرف لا ينفي الفعل عن غيره إذا نفي في نفسه . ألا ترى أنّك إذا قلت : قمت يوم الجمعة ، فالقيام في يوم الجمعة ، وإذا قلت : " ما قمت يوم الجمعة " ، فإنما انتفى القيام عن يوم الجمعة خاصة . فينبغي أن يكون الأمر في " مذ " و " منذ " على هذا التحديد . وأنت تقول : " ما رأيته مذ يوم الجمعة " ، فالرؤية منتفية عن يوم الجمعة وعما بعد إلى زمن الإخبار . فدلّ ذلك على أنّها ليست بظرف وأنّها حرف ، وانتفى الفعل عما بعدها ، وكذلك حال الحروف . ألا ترى أنّه يقول : " ما رأيته من الكوفة " ، و " ما رأيته من البصرة " ، فانتفت الرؤية عن الكوفة وما بعدها وعن البصرة وما بعدها . وكذلك : " ما سرت من بغداد " ، فنفى السير من بغداد إلى المكان الذي أنت فيه إلى زمن الإخبار . فثبت أنّهما إذا ارتفع ما بعدهما اسمان ، وإذا انجرّ ما بعدهما حرفان . إلّا أنّ الغالب على " مذ " الاسمية والغالب على " منذ " الحرفية . وإنما كان الغالب على " مذ " أن تكون اسما ، لأنّها محذوفة من " منذ " ، والحذف تصرّف ، والتصرّف بابه الأسماء لا الحروف . وكيفية غلبة الاسمية على هذه ، والحرفية على هذه أنّ " مذ " و " منذ " لا يدخلان إلّا على الزمان ، ولا يدخلان منه على مستقبل لما يبيّن بعد إن شاء اللّه تعالى . وإنما يدخلان منه على الحال والماضي ، فالحال أبدا يكون بعدها مخفوضا . والحال " الآن " وما في معناها كالساعة والحين واليوم والليلة وكل اسم زمان أضفته إلى نفسك قرب أو بعد ، نحو : " يومنا " ، و " شهرنا " ، و " عامنا " ، وكل اسم أشرت إليه ، نحو : " هذا العام وهذا الشهر وهذه الأيام الثلاثة " ، لأنّك لم تشر إليه إلّا وأنت قد قدّرته حاضرا ، ولم تضفه إلى نفسك إلّا على هذا المعنى . فهذا هو الحال . ولا يكون أبدا إلّا مخفوضا ، لأنّه لا يمكن أن يتقدّر بخلاف " في " ، فلهذا ألزم الجر . وأما الماضي فلا يخلو من أن تدخل عليه " مذ " أو " منذ " ، فإن دخلت عليه " منذ " جاز الرفع والجر ، والجرّ أفصح . وإن دخلت عليه " مذ " لم يجز إلّا الرفع في لغة بعض الحجاز . ومن الناس من أنكر الجر ، ومنهم من زعم أنّه يكون نادرا . ف " مذ " الغالب عليها أن