علي بن مؤمن ابن عصفور الحضرمي الاشبيلي
153
شرح جمل الزجاجي
يرفع ما بعدها ، لأنّ الحال وإن انجرّ بعدها فهو لفظ قليل محصور فيما ذكرنا . والحال " الآن " وما في معناها ، والماضي لا ينضبط ، و " منذ " الغالب عليها الحرفية لأنّها جارة للحاضر والماضي ، فتبيّن أنّ الغالب على " مذ " الاسمية وأنّ الغالب على " منذ " الحرفية كما قلنا . وإذا دخلتا على الحال كانتا للغاية بمنزلة " من " في قولك : " أخذته من التابوت " ، ألا ترى أنّ الأخذ كان ابتداؤه وانتهاؤه من الزمان ، ف " ما رأيته منذ عامنا " ، الرؤية منقطعة في جملة العام . وإذا دخلت على الماضي فإما أن يكون معدودا أو لا يكون ، فإن كان معدودا فقلت : " ما رأيته منذ يومنا ومنذ ثلاثة أيام " ، فهي أيضا للغاية . وإن دخلت على معرفة ليس بمعدود ، كانت لابتداء الغاية ، تقول : " ما رأيته منذ يوم الجمعة " ، فهي لابتداء الغاية في يوم الجمعة ، فلم يمكن أن ينتهي عدم الرؤية في يوم الجمعة . * * * وإذا وقع بعدها عدد ، فإنّ العرب تختلف في ذلك ، فمنهم من لا يعتدّ بالناقص أصلا ، وإنّما يعتدّ بالكامل ، فإذا قال : " ما رأيته منذ ثلاثة أيام " ، فلا بدّ أن تكون الثلاثة بجملتها لم يره فيها . ومنهم من يعتدّ بالناقص الأول ، فإذا رأى شخصا ظهر يوم الجمعة ، ثم انقطعت الرؤية إلى ظهر يوم الاثنين ، قال : " ما رأيته منذ ثلاثة أيام " ، ولم يعتدّ بالناقص الثاني . ومنهم من يعتد بالناقص الثاني ولا يعتدّ بالأول ، فيكون اللفظ واحدا ، ومنهم من يعتدّ بالناقصين : الأول والثاني ، فيقول في هذه المسألة : " ما رأيته منذ أربعة أيام " ، والأقيس الأول ، لأنّ تسمية الناقص يوما مجاز . ومن يعتد بالناقص لا يفعل ذلك إلّا إذا كان ثمّ يوم كامل ، فإن لم يكن ثمّ يوم كامل لم يجز ، لأنّ الكلام كله مجاز . فلو رأيت شخصا ظهر يوم الجمعة ، ثم انقطعت الرؤية إلى ظهر يوم السبت لم يجز في هذا أن يقال : " ما رأيته منذ يومان ، ولا مذ يوم " ، لأنّه ليس معك يوم كامل ، فإنّما يكون المجاز إذا اختلط بالحقيقة . * * *