علي بن مؤمن ابن عصفور الحضرمي الاشبيلي
92
شرح جمل الزجاجي
فقد بان أن هذه العقود ليست جموع سلامة ، ولو كان عشرون جمعا لعشرة كان مفتوح العين لأن جمع السلامة لا يتغيّر فيه الواحد . فإن قيل : وما المانع أن تكون جموع تكسير ؟ فالجواب : إن جمع التكسير هو الذي له واحد من لفظه بني الجمع عليه ، وقد تبيّن أن هذه العقود ليس لها واحد من لفظها لامتناع أن يكون ثلاثون جمع ثلاث ، وكذلك سائر هذه العقود على حد " ثلاثين " في ذلك ، في أنه لا يتصور من طريق المعنى أن تكون الواو والنون زائدتين فيهما على أسماء العقود ، فثبت أنها من قبيل أسماء الجموع . فالواحد من عشرين رجلا أو امرأة على حسب ما يراد به من المعدودات كما أنّ الواحد من قوم " رجل " ومن إبل " جمل " . فإن قيل : ما وجه كونه بالواو والنون في الرفع ، والياء والنون في النصب والخفض مع أنه ليس من جموع السلامة ؟ فالجواب : أنّه جاء على حدّ ما عليه " سنون " و " أرضون " ، ألا ترى أنّ " سنين " ليس بجمع سلامة ، لتغيّر لفظ " سنة " ، ولا جمع تكسير لكونه غير مفرد في نظائره نحو هنة ( 1 ) وشفة ألا ترى أنهما لا يجمعان بالواو والنون . فهو وإن كان له واحد من لفظه اسم جمع ك " ركب " في مذهبنا ، ألا ترى أنه اسم جمع وإن كان واحده راكبا لكونه لم يطّرد ، أعني فاعل على فعل . فإذا ثبت أن أسماء الجموع قد تجيء بالواو والنون في الرفع ، والياء والنون في النصب والخفض فينبغي أن تحمل هذه العقود على ذلك . فإن قيل : فإنّما يكون ذلك في المنقوص ، نحو : سنة وعضة ( 2 ) وثبة ( 3 ) ، فالجواب : إنه قد يكون في المؤنث الذي لم يؤنث بعلامة عوضا من العلامة التي ينبغي أن تكون له في الأصل ، إذ الأصل في التأنيث أن يكون بعلامة ، ألا ترى أنّهم قد فعلوا ذلك في " أرض " ، فقالوا : أرضون ، ليكون ذلك عوضا من التاء التي ينبغي أن تكون فيه في الأصل ، فكذلك هذه العقود جاءت بالواو والنون ، والياء والنون ليكون ذلك عوضا من التاء المحذوفة من ثلاث وأربع وسائر أخواتها ، لأن أسماء العدد كلّها مؤنثة ، فكان ينبغي أن تلحقها التاء على كل حال . فهي في جمعها بالواو والنون بمنزلة " أرضين " .
--> ( 1 ) الهنة : خصلة الشرّ . ( 2 ) لعضة : الكذب ، والجزء ، والفرقة . ( 3 ) الثّبة : الجماعة من الفرسان أو الناس ، ووسط الحوض .