علي بن مؤمن ابن عصفور الحضرمي الاشبيلي
513
شرح جمل الزجاجي
فإن قيل : فكيف جاز قوله : تنبت بالدهن ( 1 ) ، في قراءة من ضمّ التاء ، و " تنبت " مضارع " أنبت " ، والهمزة في " أنبت " للنقل ، فكيف جاز الجمع بينها وبين الباء وهي للنقل ؟ بل كان ينبغي أن يقال تنبت الدهن أو تنبت بالدهن . فالجواب : إن ذلك يتخرّج على ثلاثة أوجه . أحدها : أن تكون الباء زائدة على غير قياس ، كأنّه قال : تنبت الدهن ، فتكون بمنزلتها في قوله [ من الرجز ] : نضرب بالسيف ونرجو بالفرج ( 2 ) يريد : نرجو الفرج . والآخر أن تكون الباء للحال ، فكأنه قال : تنبت ثمرتها وفيها الدهن ، أي في هذه الحال ، أو وفيه الدهن ، أي وفي الثمر الدهن ، فيكون الحال إما من ضمير الفاعل أو من المفعول المحذوف لفهم المعنى وهو الثمر . والثالث : أن يكون " أنبت " بمعنى " نبت " لأنّه يقال : " نبت البقل " و " أنبت البقل " بمعنى واحد كما يقال : تنبت بالدهن ، فكذلك يقال : " أنبتت بالدهن " . ومثال التي لمجرد الإلصاق والاختلاط قوله : " مسحت برأسي " ، تريد ألصقت المسح برأسي ، من غير حائل بينهما . والإلصاق هنا حقيقة لأنّ المراد بالآية ( 3 ) اتصال المسح بالرأس من غير حائل بينهما . وقد يكون الإلصاق مجازا ، نحو قولك : " مررت بزيد " ، ألا ترى أنّ المرور بزيد إنما التصق بمكان يقرب من زيد ، فجعل كأنّه ملتصق بزيد مجازا . ومثال كونها للاستعانة : " كتبت بالقلم " و " بريت بالسكين " ، وكذلك كل ما يدخل على الأدوات الموصلة إلى الفعل ، ألا ترى أن ما بعد الباء هو الذي وصل به الفاعل إلى إيقاع الفعل بالمفعول ، والقلم هو الذي وصل به الفاعل إلى إيقاع الكتابة بالقرطاس ، والسكين هو الذي وصل به الفاعل إلى إيقاع البري بالقلم . ومثال كونها للسبب قولك : " أخذت بزيد دينارا " ، وأمثال ذلك مما دخلت فيه الباء على ما وقع الفعل بسببه . والفرق بين باء السبب وباء الاستعانة أن باء السبب لم تدخل على شيء وصل به الفعل
--> ( 1 ) المؤمنون : 20 . ( 2 ) تقدم بالرقم 210 . ( 3 ) يريد الآية : وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [ المائدة : 6 ] . جمل الزجاجي / ج 1 / م 33