علي بن مؤمن ابن عصفور الحضرمي الاشبيلي

514

شرح جمل الزجاجي

إلى المفعول ، ألا ترى أنّك وصلت إلى أخذ الدينار بنفسك من غير واسطة إلّا أنّك أوقعت ذلك الأخذ بسبب زيد ، وباء الاستعانة كما تقدم إنما تدخل على الأدوات لوصل الفعل إلى المفعول . ومثال كونها للحال : " جاء زيد بثيابه " ، أي : ملتبسا بثيابه ، و " جاء زيد بنفسه " ، أي : منفردا بنفسه . وإنّما سمّيت باء الحال لأنها قد حذف معها الحال لفهم المعنى ونابت منابه ، فلنيابتها مع ما بعدها مناب الحال سميت باء الحال . ومثال كونها للقسم : " باللّه ليقومنّ زيد " ، وكذلك الباء أوصلت فعل القسم إلى المقسم به ، وقد استوفي حكمها في باب القسم . ومن جعل الباء للتبعيض استدلّ على ذلك بقول العرب : " أخذت بثوب زيد " . ومعلوم أنّ الأخذ إنما كان ببعض الثوب . وحمل على ذلك قوله تعالى : وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ ( 1 ) . فزعم أنّ مسح بعض الرأس يجزي . وهذا الذي ذهب إليه من أن الباء تعطي التبعيض فاسد ، بل التبعيض هنا مفهوم من معنى الكلام ، وإنما أعطت الباء إلصاق الأخذ بالثوب ، وقد علم أنّ اليد لا تختلط بجميع الثوب ، كما أنك إذا قلت : " شربت ماء البحر " ، إنّما تريد شربت بعض ماء البحر ، فكما أنّ التبعيض هنا لم يفهم من حرف فكذلك هو في قولهم : " أخذت بثوبه " ، وإنّما يقال إنّ الحرف يعطي معنى إذا كان المعنى لا يفهم إلا من الحرف ، نحو قولك : " قبضت من الدراهم " ، ألا ترى أنّ التبعيض إنّما فهم من " من " ، بدليل أنّك لو قلت : الدراهم ، وأسقطت " من " لارتفع التبعيض ، وكان المقبوض جميع الدراهم ، وأنت لو قلت : " أخذت الثوب " ، وأسقطت الباء لعلم أنّ الأخذ إنما كان في بعض الثوب ، إذ اليد لا تحيط بجميع أجزاء الثوب . وكذلك أيضا من جعلها بمعنى " عن " استدلّ على ذلك بأنّك تقول : " سألت به " ، بمعنى : سألت عنه ، قال اللّه تعالى : فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً ( 2 ) ، أي : عنه ، وقال الشاعر [ من الطويل ] : فإن تسألوني بالنّساء فإنّني * بصير بأدواء النّساء طبيب ( 3 )

--> ( 1 ) المائدة : 6 . ( 2 ) الفرقان : 59 . ( 3 ) تقدم بالرقم 333 .