علي بن مؤمن ابن عصفور الحضرمي الاشبيلي
509
شرح جمل الزجاجي
ظهور الهلال بدا من خلل السحاب ، وكأنّه قال أيضا : شممت الريحان من داري كائنا من الطريق . ف " من " الثانية لابتداء غاية الكون . وهذا الذي ذهب إليه باطل عندي ، لأنّه قد تقدّم في باب المبتدأ والخبر أنّ المحذوف الذي يقوم المجرور مقامه إنّما يكون مما يناسب معناه الحرف ، و " من " الابتدائية لا يفهم منها الكون ولا الظهور ، فلا ينبغي أن يجوز حذفهما منه . والذي زعم أنّ " من " لتبيين الجنس استدلّ على ذلك بقوله تعالى : فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ ( 1 ) . ألا ترى أنّ الأوثان كلّها رجس . وإنّما أتيت ب " من " ليبين ما بعدها الجنس الذي قبلها ، فكأنّك قلت : اجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان ، أي : اجتنبوا الرجس الوثنيّ . واستدلّ أيضا بقوله تعالى : وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ ( 2 ) . لأنّ المعنى عنده : وعد اللّه الذين آمنوا الذين هم أنتم . لأن الخطاب إنّما هو للمؤمنين ، فلذلك لم يتصوّر أن تكون " من " تبعيضية . وكقوله : وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ ( 3 ) . أي : من جبال هي برد لأنّ الجبال هي البرد لا بعضها . ولا حجة لهم في شيء من ذلك . أما قوله تعالى : فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ ( 4 ) . فهو يتخرّج على أن يكون المراد بالرجس عبادة الوثن ، فكأنّه قال : فاجتنبوا من الأوثان الرجس الذي هو العبادة ، لأنّ المحرّم من الأوثان إنّما هو عبادتها . إلا أنّه قد يتصوّر أن يستعمل الوثن في بناء ، أو غير ذلك مما لم يحرمه الشارع ، وتكون " من " غاية مثلها في قوله : " أخذته من التابوت " ( 5 ) . ألا ترى أن اجتناب عبادة الأوثان ابتداؤه وانتهاؤه في الوثن ، وكذلك قوله تعالى : وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ ( 6 ) ، قد تكون " من " مبعّضة ويقدّر الخطاب عامّا للمؤمنين وغيرهم ، وكذلك قوله تعالى : وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ ( 7 ) . قد يتصوّر أن تكون " من " فيه مبعّضة ، ويكون المعنى مثله إذا جعلت " من " لتبيين الجنس ، وذلك بأن يكون قوله تعالى : " مِنْ جِبالٍ " بدلا من " السماء " . لأنّ السماء مشتملة على الجبال التي فيها كأنّه قال : وينزّل من جبال في السماء . ويكون " من برد " بدلا من " الجبال " بدل شيء من شيء ، كأنّه قال : وينزّل من برد في
--> ( 1 ) الحج : 30 . ( 2 ) النور : 55 . ( 3 ) النور : 43 . ( 4 ) الحج : 30 . ( 5 ) لم أقع على مصدر هذا القول . ( 6 ) النور : 55 . ( 7 ) النور : 43 .