علي بن مؤمن ابن عصفور الحضرمي الاشبيلي

508

شرح جمل الزجاجي

والصحيح أن هذا لم يكثر كثرة توجب القياس ، بل لم يجئ من ذلك إلّا هذا الذي ذكرناه إذ لا بال له إن كان شذّ ، فلذلك وجب تأويل جميع ذلك على حذف مضاف ، كأنه قال : من تأسيس أول يوم . ف " من " داخلة في التقدير على التأسيس وهو مصدر . وكأنه قال : من مرّ حجج ومن مرّ دهر . والمرّ مصدر يسوغ دخول " من " عليه ؛ ومن طلوع الصبح ولذلك قابله بقوله : حتى تغرب الشمس ، والطلوع مصدر ؛ ومن تقدّم العام ومن تقدم عام أوّل ، وكأنّه قال : من بناء الآن أي ممّا بني الآن أو أحدث الآن . وأما " قبل " و " بعد " فليسا بظرفين في الأصل وإنّما هما صفتان فكأنّك إذا قلت : " سرت قبلك " أو " سرت بعدك " ، أصله : سرت زمانا قبلك ، أي : قبل زمانك ، وسرت زمانا بعدك ، فلما لم يتمكنا في الظرفيّة جاز دخول " من " عليهما . وأما التي للغاية فهي تدخل على ما هو محلّ لابتداء الفعل وانتهائه معا . وكذلك " أخذته من زيد " ، " زيد " أيضا هو محل ابتداء الأخذ وانتهائه معا . وأما التي زعم النحويون أنها تكون لانتهاء الغاية ، فنحو قولك : " رأيت الهلال من داري من خلل السحاب " ، فابتداء الرؤية وقعت من الدار ، وانتهاؤها من خلل السحاب . وكذلك قولك : " شممت من داري الريحان من الطريق " ، فابتداء شمّ الريحان من الدار وانتهاؤه إلى الطريق . وهذا وأمثاله لا حجة لهم فيه لأنّه يحتمل أن يكون كلّ واحد منهما لابتداء الغاية ، فتكون الأولى لابتداء الغاية في حق الفاعل وتكون الثانية لابتداء الغاية في حق المفعول . ألا ترى أن ابتداء وقوع رؤية الهلال من الفاعل إنّما كان في داره ، وابتداء وقوع الرؤية بالهلال إنّما كان في خلل السحاب ، لأن الرؤية إنما وقعت بالهلال وهو في خلل السحاب . وكذلك ابتداء وقوع الشم إنما كان من الدار ، وابتداء وقوعه بالريحان إنّما كان من الطريق لأن الشّم إنّما يسلّط على الريحان وهو في الطريق . ونظير ذلك ما جاء في بعض الأثر وهو كتاب أبي عبيدة بن الجراح إلى عمر بالشام : " الغوث الغوث " . وأبو عبيدة لم يكن في وقت كتبه إلى عمر بالشام بل الذي كان بالشام عمر ، فقولنا : بالشام ، ظرف للفعل بالنظر إلى المفعول ، لأنّ الكتب إلى عمر إنما كان وعمر بالشام . ومن الناس من جعل " من " الثانية لابتداء الغاية ، إلا أنّه جعل العامل فيها محذوفا كأنه قال : رأيت الهلال من داري ظاهرا من خلل السحاب . فجعل " من " لابتداء غاية الظهور ، لأنّ