علي بن مؤمن ابن عصفور الحضرمي الاشبيلي

454

شرح جمل الزجاجي

وزعم بعض النحويين أنّها تكون تقريبا ، وذلك في نحو : " كأنّك بالشتاء مقبل " ، و " كأنّك بالفرج آت " . ألا ترى أنّ المعنى على تقريب الشتاء ، وتقريب إتيان الفرج ، ولا يتصوّر التشبيه إذ لا يتصوّر أن يشبّه المخاطب بالشتاء ، ولا بالفرج إذ ليس المقصود ذلك . والصحيح عندي أنّ " كأنّ " للتشبيه ، فكأنّك أردت أن تقول : كأنّ الفرج آت ، وكأنّ الشتاء مقبل ، إلّا أنّك أردت أن تدخل الكاف للخطاب وألغيت " كأنّ " لزوال اختصاصها بالجملة الاسمية لمّا لحقها اسم الخطاب ، كما ألغيت لمّا لحقها " ما " في نحو " كأنّما " ، لزوال الاختصاص ، وكذلك تلغى إذا لحقها ضمير المتكلم في نحو : " كأنّي بك تفعل " ، ألا ترى أنّها إذ ذاك تدخل على الجملة الفعلية التي هي تفعل . والباء في " بالشتاء مقبل " ، زائدة ، وكأنه قال : " كأنّك الشتاء مقبل " ، أراد أن يقول : " كأنّ الشتاء مقبل " ، فألحق الكاف للخطاب وألغى " كأنّ " ، وزاد الباء في المبتدأ ، كما زيدت في " بحسبك زيد " . وأما من زعم أنّ ذلك على حذف مضاف والتقدير : كأنّ زمانك مقبل بالشتاء ، وذلك أنّه لما كان الشتاء قريب الوقوع جعل الزمان الحاضر في وقت الخطاب كأنّه مقبل به ، فمذهبه باطل ، لأنّ ذلك لا يطرد في كل موضع . ألا ترى أنّ ذلك لا يتصوّر في مثل : " كأنّي بك تفعل كذا " ، ألا ترى أنّه لا يتصوّر أن تقول : " كأنّ زماني بك تفعل كذا " . فتقرّر إذن أنّها للتشبيه . وهي عند النحويين مركبة من " إنّ " وكاف التشبيه . وذلك أن الأصل : " إنّ زيدا كقائم " ، فاعتني بحرف التشبيه وقدم على " أنّ " ، فلمّا خرجت عن الصدر فتحت فصار : " كأنّ زيدا قائم " . ولا يتصوّر أن تكون الكاف دخلت على " أنّ " المفتوحة ، لأنّ المفتوحة مع صلتها بتقدير المصدر وليس كذلك : " كأنّ زيدا قائم " . والذي حمل على ادعاء التركيب فيها أنّه قد تقرر التشبيه بالكاف في نحو : " زيد كعمرو " ، ولم يتقرر ب " إنّ " ، وإذا أمكن أن يكون التشبيه بالحرف الذي تقرر ذلك فيه كان أولى . * * *