علي بن مؤمن ابن عصفور الحضرمي الاشبيلي

453

شرح جمل الزجاجي

" كأنّ " تكون بمنزلة " إنّ " للتأكيد ، واستدلّ على ذلك بقول الشاعر [ من الوافر ] : ( 312 ) - فأصبح بطن مكّة مقشعرّا * كأنّ الأرض ليس بها هشام وذلك أنّ هذا الشاعر يرثي هشاما ، فمعلوم أنّه ليس بالأرض ، والمعنى إذن : لأنّ الأرض ليس بها هشام إذ محال أن يقول الإنسان : كأنّ الأرض ليس بها هشام على جهة التشبيه و " هشام " ليس بالأرض . وهذا البيت لا حجّة فيه ، لاحتمال أن تكون " كأنّ " فيه للتشبيه ، وذلك أنّ هشاما وإن كان قد مات فجسده في الأرض ، فكان ينبغي لبطن مكة بسبب ذلك أن لا يتغيّر ، فلما تغيّر بطن مكة واقشعرّ ، صارت الأرض كأنّ هشاما ليس بها . وزعم أبو الحسن بن الطراوة أنّ " كأنّ " تكون بمعنى " ظننت " ، واستدلّ على ذلك بأنّك تقول : " كأن زيدا قائم " ، والقائم هو زيد والشيء لا يشبّه بنفسه . فالجواب عن ذلك : إنّ الشيء قد يشبّه في حال ما بنفسه في حال أخرى ، فتكون إذ قلت : " كأنّ زيدا قائم " ، مشبّها لزيد غير قائم به قائما ، أو يكون قائما غير زيد ويكون في الكلام حذف كأنك قلت : كأنّ هيئة زيد قائم .

--> ( 312 ) - التخريج : البيت للحارث بن خالد في ديوانه ص 93 ؛ والاشتقاق ص 101 ، 147 ؛ وبلا نسبة في الجنى الداني ص 571 ؛ وجواهر الأدب ص 93 ؛ والدرر 2 / 163 ؛ وشرح التصريح 1 / 212 ؛ وشرح شواهد المغني 2 / 515 ؛ ولسان العرب 12 / 461 ( قثم ) ؛ وهمع الهوامع 1 / 133 . اللغة : بطن مكّة وباطنها : ما غمض منها وأطمأن ، سهلها وحزنها ورياضها . المقشعر : المرتعد المرتجف . هشام : هو هشام بن المغيرة المخزومي . المعنى : ارتجفت سهول مكة ورياضها حزنا على فقيدها ، فهي قد خلت من هشام بن المغيرة . الإعراب : فأصبح : " الفاء " : للاستئناف ، " أصبح " : فعل ماض ناقص . بطن : اسم ( أصبح ) مرفوع بالضمّة . مكة : مضاف إليه مجرور بالفتحة عوضا عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف . مقشعرّا : خبر ( أصبح ) منصوب بالفتحة . كأنّ : حرف مشبّه بالفعل . الأرض : اسم ( كأن ) منصوب بالفتحة . ليس : فعل ماض ناقص . بها : جار ومجرور متعلّقان بخبر ( ليس ) المحذوف . هشام : اسم ( ليس ) مرفوع بالضمّة . وجملة " فأصبح " : استئنافية لا محلّ لها . وجملة " كأن الأرض " : استئنافية لا محلّ لها . وجملة " ليس بها هشام " : في محلّ رفع خبر ( كأن ) . والشاهد فيه قوله : " كأن الأرض " حيث جاءت ( كأن ) لتفيد معنى التأكيد .