علي بن مؤمن ابن عصفور الحضرمي الاشبيلي
291
شرح جمل الزجاجي
يريد : وتحسب حبهم عارا عليّ ، فحذف لدلالة ما تقدم . وأما حذفهما حذف اقتصار ففيه ثلاثة مذاهب للنحويين : منهم من منع وهو الأخفش ومن أخذ بمذهبه ، ومنهم من أجاز وعليه أكثر النحويين ، ومنهم من فصّل فأجاز في " ظننت " وما في معناها ومنع في " علمت " وما في معناها ، وهو مذهب الأعلم ومن أخذ بمذهبه . فأما الأخفش فحجّته أنّ هذه الأفعال قد تجري مجرى القسم ومفعولاتها مجرى جواب القسم ، والدليل على ذلك أنّ العرب تتلقاها بما تتلقى به القسم . قال اللّه تعالى : وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ ( 1 ) ، فأجرى " ظنّ " مجرى واللّه ، كأنّه قال : واللّه ما لهم من محيص . ومثل ذلك كثير . فكما لا يبقى القسم دون جواب ، فكذلك لا تستغني هذه الأفعال عن مفعولاتها . وهذا لا حجّة فيه ، لأنّ العرب لا تضمّنها معنى القسم على اللزوم ، فإذا امتنع حذف مفعولها إذا دخلها معنى القسم لما ذكر فما الذي يمنع من حذفها إذا لم تتضمّن معنى القسم ؟ وأمّا الأعلم ومن أخذ بمذهبه فحجّتهم أنّ كلّ كلام مبنيّ على الفائدة . فإذا لم توجد فائدة لم يجز التكلّم به ، قال : فإذا قلت : " ظننت " ، كان مفيدا لأنّ الإنسان قد يخلو من الظنّ فيفيدنا بقوله : " ظننت " أنّه وقع منه ظنّ ، وإذا قلت : " علمت " ، كان غير مفيد لأنّه معلوم أنّ الإنسان لا يخلو من علم إذ له أشياء يعلمها بالضرورة ، كعلمه أنّ الاثنين أكثر من الواحد . وهذا الذي ذهب إليه فاسد ، بل الصحيح أنه يجوز : " علمت " ، وتحذف المفعولين ، حذف اقتصار لأنّ الكلام إذا أمكن حمله على ما فيه فائدة كان أولى . فإذا قال قائل : علمت ، علمنا أنّه أراد أنّه وقع منه علم ما لم يكن يعلم إذ حمله على غير ذلك غير مفيد .
--> - وجملة " ترى " ابتدائيّة لا محلّ لها من الإعراب ، وجملة " تحسب " معطوفة على جملة " ترى " لا محل لها من الإعراب . الشاهد فيه قوله : " تحسب " حيث حذف المفعولين لدلالة سابق الكلام عليهما ، والتقدير : " وتحسب حبّهم عارا عليّ " . ( 1 ) فصلت : 48 .