علي بن مؤمن ابن عصفور الحضرمي الاشبيلي
182
شرح جمل الزجاجي
[ 5 - الفاء ] : وأما الفاء ففيها خلاف . فمذهب البصريين أنّها للترتيب في كل موضع ، والفراء موافق لهم في أنّها للترتيب إلّا في الفعلين الذين أحدهما سبب الآخر ويؤولان لمعنى واحد ، فإنها لا تكون عنده إذ ذاك مرتبة . وذلك نحو قولك : " أعطيتني فأحسنت إليّ " ، و " أحسنت إليّ فأعطيتني " ، يجوز أن يتقدم عنده الإحسان على الإعطاء وإن كان الإحسان إنّما وقع بعد الإعطاء ، لأن الإعطاء سبب الإحسان ، وهو إحسان في المعنى . وذهب الجرميّ أنّها للترتيب إلّا في الأماكن والمطر ، فإنه زعم أنّك تقول : " عفا موضع كذا فموضع كذا فكذا " ، وإن كانت هذه الأماكن إنما عفت في وقت واحد ؛ و " نزل المطر مكان كذا فمكان كذا " ، وإن كان المطر إنما نزل في هذه الأماكن في وقت واحد . وذهبت طائفة من الكوفيين إلى أن الفاء لا ترتّب بمنزلة الواو . والصحيح من ذلك كلّه القول الأول على ما نبيّن . واستدل الفراء على صحة مذهبه بقوله تعالى : فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ( 1 ) . وبقوله جلّ ذكره : وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا ( 2 ) . فقدم " الإهلاك " على مجيء البأس ، وقدم القراءة على الاستعاذة ، ومعلوم أنّهما مؤخران في المعنى لما كان مجيء البأس من سبب الإهلاك ، وهو الهلاك في المعنى والاستعاذة من سبب القراءة شرعا وهي قراءة في المعنى . ولا حجة له في ذلك لأنه يحتمل أن يتخرج على أن يكون " قرأت " بمعنى : أردت أن تقرأ لأن العرب قد تقول : فعل فلان ، بمعنى : قارب أن يفعل ، أو أراد أن يفعل ، فمن ذلك قولهم : " قد قامت الصلاة " ، أي : قد قرب قيامها ، أو : أريد قيامها . ومنه قول الفرزدق [ من الطويل ] : ( 126 ) - إلى ملك كاد النجوم لفقده * يقعن وزال الراسيات من الصخر
--> ( 1 ) النحل : 98 . ( 2 ) الأعراف : 4 . ( 126 ) - التخريج : البيت للربيع بن ضبع الفزاري في شرح أبيات المغني 8 / 90 ، 91 ؛ وبلا نسبة في الأشباه والنظائر 2 / 293 ؛ وشرح شواهد المغني 2 / 964 . اللغة : الفقد : الموت . الراسيات : الجبال . -