محمد بن محمد حسن شراب
274
شرح الشواهد الشعرية في أمات الكتب النحوية لأربعة آلاف شاهد شعري
معنى معينا أوحت به عبارته التي نطق بها ، فماذا قال الشاعر ؟ وما المعنى الذي كان في نفسه ؟ هذا الذي نريده ؛ لأنه يربط بين المعنى والحال النفسية للشاعر ، ويربط أيضا بين الشاعر والقارئ . وكلّ التأويلات التي ذكروها تنصّ على أن البيت الأول مضمّن في البيت الثاني ، والتضمين يعدونه من عيوب الشعر ، وقد استدل به بعضهم على أنّ العرب يرون أن البيت وحدة القصيدة ؛ لأنهم يرون التضمين عيبا . قلت : وهذا استدلال لا يصحّ ، وإنما عابوا التضمين ؛ لأنه يفسد الإنشاد ويجبر القارئ على إنشاد بيتين متتاليين في نفس واحد ؛ لإيصال المعنى ، فهم يرون أن البيت الواحد يؤدي معنى جزئيا يمكن الوقوف عليه ، ولكنه يحتاج إلى غيره ، ويحتاج غيره إليه ؛ لتكوين الصورة العامة للمعنى العام الذي يريد الشاعر أن يوصله عن طريق القصيدة كلها . والبيتان المذكوران من قصيدة الأعشى ، ليس بينهما تضمين . فالشاعر في البيت الأول يريد أن يقول : إن بكاء الشيخ على الأطلال ليس مناسبا لحاله ، فعليه أن ينشغل من الذكريات بغيره ، ويتابع سؤاله الاستنكاري قائلا : وما سؤالي الأطلال عن ذكريات الصبا ؟ وما ذا ينفع سؤالي ؟ والمسؤول عنه هنا محذوف تقديره : وما سؤالي الأطلال ؟ وما ذا يفيدوني سؤال الأطلال ؟ ثم يستأنف في البيت الثاني قائلا : دمنة قفرة ، والتقدير : هي دمنة قفرة متبقية من آثار من كنت أعرف . فهو لا يريد أن يسأل الدمنة ، ولا يريد أن يقول إن الدمنة لا ترد جواب سؤاله . وإنما أراد أن يخبر عن حال ما تبقى من الآثار . ولهذا الشاهد قصة أدبية طريفة ، قد تصدق ، وقد تكذب ، ولكنها لا تخلو من فائدة أدبية : روى نقلة الأخبار ، أن طليحة الأسدي ( توفي حوالي 21 ه ) كان شريفا ، وكان يفد على كسرى ، فيكرمه ويدني مجلسه . قال طليحة : فوفدت على كسرى مرّة ( لا نعلم أيّ كسرى ) فوافقت عيدا من أعياد الفرس ، فحضرت عند كسرى في جملة من حضر من أصحابه ، فلما طعمنا وضع الشراب فطفقنا نشرب ، فغنّى المغني :